الاعتقاد السائد لدي الكثيرين عن الأسلحة التي خلفها الأجداد انها مجرد قطع أثرية، وان كل الوثائق أوراقاً صفراء أكل عليها الزمن وشرب. هناك أشياء تحتفظ في صمتها بحكايات أمة، وتختزن في تفاصيلها ذاكرة وطن كاملة. ومن بين هذه الكنوز، تستعد شندي لفتح صفحة جديدة من تاريخها، بعد أن أعلن رجل الأعمال السوداني المقيم في أوروبا المك عبد الله خلف الله عزمه إنشاء متحف يوثق لتاريخ مملكة الجعليين عبر العصور.
الإعلان الذي جاء خلال احتفالية أقامتها نظارة الجعليين بدار الناظر في شندي، مساء الخميس، لم يكن مجرد تعهد بإنشاء مبنى ثقافي، وإنما بدا أقرب إلى مشروع لاستعادة الذاكرة من أقبية النسيان إلى فضاء المعرفة.
المك عبد الله خلف الله حمل معه من أوروبا أكثر من الحنين إلى الوطن؛ حمل اهتماماً استثنائياً بجمع كل ما يتصل بتاريخ مملكة الجعليين، من وثائق وصور ومقتنيات شخصية وعسكرية، وظل لسنوات يبحث عن الشواهد التي يمكن أن تعيد رسم ملامح تلك الحقبة للأجيال الجديدة.
ولعل الأكثر إثارة في حديثه كشفه عن وجود مقتنيات نادرة في منزله، بينها بندقية المك نمر، وبندقية عبد الله ود سعد، وسيف المك مساعد، وسيوف لعدد من أبناء الجعليين الذين استشهدوا في معارك أبو طليح بالمتمة، إلى جانب وثائق ومعاهدات تعود إلى العهد التركي وغيرها من الوثائق التاريخية.
هذه المقتنيات، في حقيقتها، ليست ملكاً لأسرة أو فرد؛ فقيمتها تتجاوز حدود أصحابها إلى فضاء التاريخ السوداني كله. ولذلك فإن إخراجها من إطار المجموعات الخاصة إلى متحف متخصص سيكون بمثابة نقل للذاكرة من الملكية الفردية إلى الملكية المعرفية الوطنية.
*التاريخ حين يصبح شاهداً*
ما يميز فكرة متحف الجعليين أنها لا تتعامل مع التاريخ باعتباره سرداً للماضي، ولكن باعتباره مادة حية يمكن للأجيال أن تراها وتقرأها وتدرسها.
فالطالب الذي يقف أمام بندقية المك نمر لن يتعامل معها بالطريقة ذاتها التي يقرأ بها اسم المك نمر في كتاب تاريخ، والباحث الذي يطالع وثيقة أصلية أو معاهدة قديمة أمامه سيجد تفاصيل قد لا تمنحها الروايات الشفهية أو الكتب المختصرة.
ومن هنا تأتي القيمة العلمية للمشروع؛ إذ يمكن للمتحف أن يتحول إلى مركز للوثائق والدراسات التاريخية والآثار، يخدم طلاب الجامعات والباحثين والمؤرخين، ويفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخ المنطقة من خلال مصادرها الأصلية.
*شندي.. مدينة تستحق متحفاً لذاكرتها*
ولأن شندي ليست مدينة عابرة في التاريخ السوداني، فإن اختيارها لاحتضان هذا المشروع يحمل دلالة خاصة. فهي جزء من جغرافيا ارتبطت بمراحل مهمة من تاريخ السودان، وتضم إرثاً حضارياً واجتماعياً وسياسياً يستحق أن يجد مكانه في مؤسسة تحفظه وتقدمه للأجيال.
ولهذا جاء طلب خلف الله من السلطات المحلية بتخصيص أرض للمتحف، باعتباره الخطوة الأولى لتحويل الفكرة إلى واقع.
والمطلوب هنا ألا يتوقف الأمر عند مساهمة فرد مهما كانت قيمتها، وأن يتحول المشروع إلى شراكة مجتمعية ومؤسسية تشارك فيها السلطات المحلية، والجامعات، والباحثون، وأبناء الجعليين، وأصحاب المقتنيات الخاصة، وكل من يمتلك وثيقة أو صورة أو أثراً يمكن أن يضيف حجراً إلى صرح الذاكرة.
*من متحف الجعليين إلى متحف السودان*
إن قيام متحف متخصص في تاريخ مملكة الجعليين يمكن أن يكون بداية لمشروع أوسع في السودان: أن تصبح لكل منطقة ومدينة ومملكة ومجموعة تاريخية مؤسسات تحفظ ذاكرتها وتوثقها.
فالأمم التي تحترم تاريخها لا تكتفي بترديد أمجاد الماضي، وإنما تحفظ شواهده وتتيح للأجيال دراسته ونقده وفهمه.
وإذا اكتملت هذه المبادرة، فإن شندي لن تستقبل متحفاً جديداً ، هي ستستقبل ذاكرة كانت مبعثرة بين المنازل والخزائن والمجموعات الخاصة، لتجتمع في مكان واحد، وتتحول من مقتنيات صامتة إلى رواية وطنية مفتوحة.
وربما تكون أجمل رسالة في هذا المشروع أن بندقيةً وسيفاً ووثيقةً ظلت سنوات طويلة بعيدة عن أعين الناس، يمكن أن تتحول اليوم إلى مدرسة مفتوحة للأجيال.
فالمتحف لا يحفظ الأشياء القديمة… لكنه يحفظ المعنى الذي تركه أصحابها وراءهم. دمتم بالف خير وصحة وعافية يارب 🌹
مسارات .. متحف الجعليين… ذاكرة الوطن .. د. نجلاء حسين المكابرابي
المقالة السابقة


