Popular Now

سلسلة الحرب على السودان (47) الحوار من الداخل بين اتساع التأييد وتصاعد الرفض: هل بدأت معادلة إنهاء الحرب تتغير؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة |جياد… صناعة الفرص .. إبراهيم شقلاوي

منشورات د. احمد المفتي رقم 6202 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) .. من وحل السياسة ، الي بنك الطاقة ، شارع عبيد ختم ينور المستقبل

سلسلة الحرب على السودان (47) الحوار من الداخل بين اتساع التأييد وتصاعد الرفض: هل بدأت معادلة إنهاء الحرب تتغير؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

تشهد الساحة السودانية في هذه الأيام تحولاً مهماً في مسار الحرب، يتمثل في تزامن التطورات العسكرية مع تحرك سياسي ودبلوماسي متزايد للبحث عن مخرج للأزمة.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية على عدد من الجبهات، برزت دعوة مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى هدنة إنسانية، مع تأكيده أن الأزمة السودانية لا يمكن أن يكون حلها عسكرياً وحده. وبالتوازي، تتجه الأنظار إلى مشاورات سياسية سودانية مرتقبة في أديس أبابا، وإلى المبادرة الخاصة بالحوار السوداني من الداخل التي طرحتها قيادة الدولة.
وفي المقابل، تتحرك الولايات المتحدة بمقاربة تتحدث عن خطة من خمسة محاور لإنهاء الحرب، بينما تستمر بعض القوى السياسية في رفض الحوار الداخلي أو التحفظ عليه.
وهنا يبرز السؤال المركزي:
هل بدأ السودان ينتقل من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة البحث الجدي عن تسوية، أم أن التحركات السياسية الحالية ليست سوى محاولة جديدة لإدارة الصراع من الخارج؟
مجلس السلم والأمن الأفريقي.. الهدنة أولاً
يحمل موقف مجلس السلم والأمن الأفريقي أهمية خاصة؛ لأن الاتحاد الأفريقي يمتلك شرعية قارية في التعامل مع الأزمة السودانية.
والدعوة إلى هدنة إنسانية تعكس إدراكاً متزايداً لحجم الكلفة الإنسانية للحرب، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالاً أكثر صعوبة:
هل يمكن الوصول إلى هدنة مستقرة من دون معالجة موازين القوة على الأرض؟
فالهدنة قد تكون ضرورية لحماية المدنيين وإيصال المساعدات، لكنها لن تكون حلاً نهائياً إذا لم تتحول إلى مسار سياسي متفق عليه.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الهدنة الإنسانية باعتبارها إجراءً عاجلاً، وبين وقف الحرب باعتباره عملية سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.
الحوار السوداني من الداخل.. لماذا الآن؟
تأتي مبادرة الحوار من الداخل في لحظة مختلفة عن المراحل السابقة.
فالحرب أعادت تشكيل موازين القوى السياسية والاجتماعية، وأظهرت أن القوى التي كانت تملك نفوذاً سياسياً قبل الحرب لا تمتلك بالضرورة التأثير نفسه اليوم.
كما أن ملايين السودانيين الذين تحملوا الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات أصبحوا أكثر اهتماماً بالأمن والاستقرار من الصراعات السياسية التقليدية.
ولهذا فإن الحوار من الداخل يمكن أن يمثل فرصة لإعادة بناء الشرعية السياسية على أساس الواقع السوداني الجديد.
لكن نجاحه يتوقف على أن يكون حواراً وطنياً واسعاً لا حواراً حكومياً مغلقاً.
نبيل أديب.. أهمية البعد القانوني
تبرز في هذا السياق تصريحات القانوني نبيل أديب، رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة، بشأن الحوار الداخلي.
وتكتسب مشاركته أهمية من زاوية قانونية، لأن أي عملية سياسية مقبلة تحتاج إلى إطار قانوني واضح يحدد معايير المشاركة، وضمانات الحوار، ومآلات التوصيات.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي، وإنما يحتاج إلى شرعية قانونية ومؤسسية تمنع إعادة إنتاج الأزمة.
وهنا يمكن أن يكون الحوار الداخلي فرصة للجمع بين المسارات السياسية والقانونية والمجتمعية، بدلاً من ترك كل مسار يعمل منفرداً.
هل يملك معارضو الحوار سنداً شعبياً؟
توجد اعتراضات حقيقية على الحوار الداخلي، بعضها سياسي وبعضها يتعلق بالثقة في المؤسسات الحاكمة.
لكن المشكلة الأساسية أن المعارضة السياسية لا تعني بالضرورة امتلاك قاعدة اجتماعية كافية لرفض الحوار.
فالمجتمع السوداني نفسه أصبح طرفاً أساسياً في معادلة الحرب.
والسؤال الذي يجب أن يطرح على جميع القوى السياسية هو:
هل تستطيع هذه القوى أن تقدم بديلاً عملياً للحوار الداخلي؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن رفض الحوار يصبح موقفاً سياسياً أكثر منه مشروعاً لإنهاء الحرب.
أما إذا كان هناك بديل وطني واضح يحظى بتأييد شعبي واسع، فمن حق القوى السياسية أن تطرحه وتدافع عنه.
أديس أبابا.. الحوار الخارجي في مواجهة الحوار الداخلي
تستعد أديس أبابا لاستضافة مشاورات سودانية موسعة تهدف إلى توحيد المواقف السياسية.
وهنا تظهر مفارقة واضحة:
بينما تتزايد الدعوات إلى حوار سوداني داخل السودان، تستمر الاجتماعات السياسية خارج البلاد.
ولا يعني ذلك أن الحوار الخارجي غير مفيد، لكنه يجب أن يكون مكملاً للحوار السوداني وليس بديلاً عنه.
فالقرار السياسي النهائي يجب أن يصدر من السودانيين، وليس من العواصم التي تستضيف المؤتمرات.
الخطة الأمريكية ذات المحاور الخمسة
إعلان واشنطن عن خطة من خمسة محاور لإنهاء الحرب يمثل تطوراً مهماً في السياسة الدولية تجاه السودان.
لكن نجاح أي خطة أمريكية أو دولية سيتوقف على سؤالين أساسيين:
هل تتوافق مع مصالح السودان؟
وهل تقبل بها الأطراف السودانية؟
فالضغط الدولي يمكن أن يساعد في وقف الحرب، لكنه لا يستطيع وحده بناء السلام.
كما أن فرض خطة خارجية دون توافق سوداني قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً في ظل حساسية المجتمع السوداني تجاه أي تصور ينتقص من السيادة الوطنية.
البعد العسكري.. السياسة تتحرك والميدان لا يتوقف
في المقابل، لا تزال العمليات العسكرية مستمرة، مع تصريحات عسكرية سودانية تؤكد استمرار التقدم في بعض المحاور.
وهذا يعني أن كل طرف يحاول تحسين موقعه العسكري قبل الدخول في تسوية سياسية نهائية.
وهذه نقطة مهمة في فهم سلوك الأطراف.
فالحوار لا يجري في فراغ سياسي، وإنما يجري فوق أرضية عسكرية متحركة.
ولهذا فإن نجاح أي مفاوضات يحتاج إلى ربط المسارين:
المسار العسكري ــ المسار السياسي.
فالسياسة لا تستطيع تجاهل الواقع الميداني، والعسكري لا يستطيع وحده إنتاج دولة مستقرة.
كينيا والضغوط الإقليمية
تستمر أيضاً الضغوط الإقليمية على السودان، ومنها التحركات الكينية المتعلقة بالأزمة.
وتكمن المشكلة في أن تعدد الوسطاء الإقليميين قد يؤدي إلى تعدد الأجندات.
فكل دولة تنظر إلى السودان من زاوية مختلفة:
مصر تنظر إلى الأمن المائي والحدود والأمن القومي.
السعودية تنظر إلى أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي.
تركيا تنظر إلى العلاقات الثنائية والبحر الأحمر والتعاون الاقتصادي.
إثيوبيا تنظر إلى الحدود والنيل الأزرق وسد النهضة.
كينيا تنظر إلى أمن شرق أفريقيا ودور إيغاد.
وهكذا أصبح السودان نقطة تقاطع لمصالح إقليمية متعددة.
محاولة إزاحة عبد الواحد محمد نور.. بين الاتهام والحقيقة
من الملفات التي تحتاج إلى قدر كبير من الحذر ما يثار حول وجود خطط لإزاحة عبد الواحد محمد نور أو تفكيك حركة تحرير السودان التي يقودها.
وتتردد اتهامات تتحدث عن تمويل خارجي ومحاولات لفتح مسارات قانونية دولية وشق الحركة من الداخل.
لكن هذه الادعاءات يجب ألا تتحول إلى حقائق إعلامية قبل التحقق منها.
والأهم من شخصية عبد الواحد نفسها هو أن أي محاولة لإعادة تشكيل الحركات المسلحة من الخارج ستزيد تعقيد الأزمة.
فالحل الحقيقي في دارفور يحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وليس فقط إعادة توزيع القيادات.
الجبهة الداخلية هي المعادلة الحاسمة
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، أصبح واضحاً أن استمرار الانقسام السياسي يمثل أحد أكبر المخاطر على مستقبل الدولة السودانية.
ولهذا فإن بناء الجبهة الداخلية لا يعني إلغاء المعارضة، ولا يعني إقصاء القوى السياسية.
بل يعني الاتفاق على الحد الأدنى من الثوابت الوطنية:
وحدة السودان، سيادة الدولة، رفض التدخل الخارجي، حماية المدنيين، إنهاء تعدد الجيوش، إعادة بناء المؤسسات، والمحاسبة وفق القانون.
ومن هنا يمكن أن يتحول الحوار الداخلي من مجرد مبادرة سياسية إلى مشروع لإعادة بناء الدولة.
هل تغيرت المعادلة؟
هناك مؤشرات تستحق الانتباه.
المؤشر الأول هو تزايد الدعوات إلى الحوار من الداخل.
المؤشر الثاني هو تزايد الاهتمام الأفريقي بضرورة الهدنة والحل السياسي.
المؤشر الثالث هو دخول الولايات المتحدة بصورة أكثر وضوحاً في محاولة وضع إطار لإنهاء الحرب.
المؤشر الرابع هو استمرار التحركات العسكرية بالتوازي مع التحركات السياسية.
المؤشر الخامس هو تنامي اهتمام القوى الإقليمية بمستقبل السودان.
هذه المؤشرات مجتمعة تعني أن الحرب وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الميدان والسياسة والدبلوماسية مترابطة بصورة غير مسبوقة.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: نجاح الحوار الداخلي
تنجح المبادرة في استقطاب القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية، ويتم التوصل إلى إطار وطني للمرحلة الانتقالية.
وهذا هو السيناريو الأكثر فائدة للسودان إذا توافرت له ضمانات حقيقية.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب مع ضغط دولي متزايد
تستمر العمليات العسكرية، بينما تفرض القوى الدولية والإقليمية ضغوطاً متزايدة للوصول إلى وقف إطلاق النار.
السيناريو الثالث: تعدد المبادرات وتضاربها
تتعدد المبادرات بين واشنطن وأديس أبابا والاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية وغيرها، دون وجود مركز تنسيق موحد، فتزداد الأزمة تعقيداً.
السيناريو الرابع: تسوية سياسية بعد تغير موازين القوى
يؤدي التحول العسكري إلى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية أكثر واقعية، يكون فيها الحوار الداخلي أساساً للعملية السياسية، بينما يؤدي المجتمع الدولي دور الضامن والميسر.
القراءة الاستراتيجية
السودان يقف الآن أمام مفترق طرق.
فإما أن يتحول الحوار الداخلي إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء التوافق الوطني، وإما أن يتحول إلى جولة جديدة من الصراع بين النخب.
كما أن الهدنة الإنسانية التي يدعو إليها الاتحاد الأفريقي مهمة، لكنها يجب ألا تكون بديلاً عن معالجة الأسباب السياسية والأمنية للحرب.
أما المبادرات الدولية، وفي مقدمتها التحرك الأمريكي، فيمكن أن تكون مفيدة إذا ساعدت السودانيين على الوصول إلى حل، لكنها تصبح خطرة إذا حاولت أن تحل محل الإرادة السودانية.
الخلاصة
الحرب السودانية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها السؤال:
من ينتصر عسكرياً فقط؟
بل أصبح السؤال:
من يستطيع بناء السودان بعد الحرب؟
وهذا هو جوهر المعركة القادمة.
فالميدان قد يغير موازين القوى، لكن الجبهة الداخلية هي التي تحدد قدرة الدولة على البقاء وإعادة البناء.
والحوار من الداخل، إذا كان شاملاً وعادلاً وشفافاً، يمكن أن يمثل أحد أهم المسارات لإعادة القرار السياسي إلى السودانيين.
أما الأصوات المعارضة للحوار، فعليها أن تقدم بديلاً عملياً يحظى بثقة المجتمع، لا أن تكتفي بالرفض.
وفي المقابل، فإن نجاح الحوار يتطلب ألا يتحول إلى وسيلة لإقصاء أي مكون وطني، وأن تكون المشاركة قائمة على معايير واضحة، وأن ترتبط العملية السياسية بمسار قانوني وعدالة انتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
السودان يحتاج اليوم إلى وقف الحرب، ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى استعادة قراره الوطني.
وإذا نجح السودانيون في بناء جبهة داخلية قوية، فإن التدخلات الخارجية ستفقد كثيراً من قدرتها على التأثير في مستقبل البلاد.
أما إذا استمر الانقسام الداخلي، فستظل كل مبادرة خارجية قادرة على إعادة تشكيل المشهد السوداني وفق مصالح أصحابها.
إن المعركة الحقيقية بعد اليوم ليست فقط معركة الأرض، وإنما معركة القرار الوطني.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |جياد… صناعة الفرص .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *