تشهد الساحة السودانية مرحلة جديدة تتقاطع فيها التطورات العسكرية والسياسية والإقليمية بصورة غير مسبوقة. فبينما تستمر العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، تتزايد الدعوات إلى حوار سوداني ـ سوداني من الداخل، بالتزامن مع تحركات إقليمية ودولية تبدو أكثر اهتماماً بإيجاد مخرج سياسي للحرب.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه تقارير عن تدهور صحي محتمل في قيادة قوات الدعم السريع، وعن تغيرات في الوضع الميداني، بينما تتسع الاتصالات السياسية مع القوى السودانية، وتبرز أدوار جديدة للقيادات الدينية والصوفية والمجتمعية في الدعوة إلى الحوار.
وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة استعدادها لدعم حوار حقيقي في السودان، بينما يحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن تطورات الأوضاع في السودان لا تسير في الاتجاه الجيد، مع تأكيد استمرار اهتمام تركيا بالسودان.
وبذلك يبدو أن السودان يدخل مرحلة تتراجع فيها أهمية السؤال العسكري وحده، لمصلحة سؤال أكثر تعقيداً:
كيف تنتهي الحرب، ومن يملك حق تعريف نهايتها، ومن يحدد شكل الدولة السودانية بعد الحرب؟
الحوار من الداخل.. من مبادرة سياسية إلى ضرورة وطنية
أهم ما يميز المرحلة الحالية هو أن فكرة الحوار السوداني من الداخل بدأت تخرج من إطار المبادرة السياسية إلى إطار الحاجة الوطنية.
فالحرب أرهقت المجتمع السوداني، وأدت إلى نزوح الملايين، وتدمير البنية الاقتصادية والخدمية، وتفكك قطاعات واسعة من الحياة الاجتماعية والسياسية.
وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن أن تبقى صناعة مستقبل السودان حكراً على القوى السياسية أو العسكرية وحدها.
فالذين دفعوا ثمن الحرب الحقيقي هم المواطنون، والنازحون، واللاجئون، والعمال، والطلاب، والمزارعون، وأصحاب الأعمال، والأسر التي فقدت أبناءها وممتلكاتها.
ولهذا فإن الحوار الذي يخاطب هذه الفئات يمكن أن يكون أكثر شرعية من أي عملية سياسية تجري بعيداً عن السودان.
دخول القيادات الدينية والصوفية إلى المشهد
من التطورات اللافتة في مسار الحوار بروز القيادات الدينية والصوفية والمجتمعية، ومن بينها الخليفة محمد حاج حمد الجعلي وسجادة كدباس، في دعم فكرة الحوار السوداني ـ السوداني.
وهذه المشاركة تحمل دلالة استراتيجية مهمة.
فالقوى الدينية والصوفية تمتلك امتدادات اجتماعية لا تتوافر بالضرورة للأحزاب السياسية التقليدية، كما أنها تستطيع الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصاً في المناطق التي أضعفت الحرب فيها المؤسسات السياسية الرسمية.
والأهم أن هذه القوى يمكن أن تخاطب المجتمع المتضرر من الحرب بعيداً عن الاستقطاب الحزبي.
وهنا تظهر فرصة مهمة: أن يتحول الحوار من حوار بين النخب إلى حوار مجتمعي وطني واسع.
القوة الصامتة تقترب من مركز المشهد
طوال فترة الحرب ظل هناك تيار اجتماعي واسع لا يظهر كثيراً في وسائل الإعلام ولا في المؤتمرات السياسية.
إنها الأغلبية الصامتة التي تريد الأمن والسلام وعودة الدولة والخدمات.
هذه الأغلبية لا تعني بالضرورة تأييدها لطرف عسكري أو سياسي بعينه، لكنها ترفض استمرار الحرب.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي قادم سيواجه اختباراً حقيقياً:
هل يستطيع مخاطبة هذه الأغلبية؟
وهل يستطيع تقديم إجابات عملية حول الأمن والعدالة وإعادة الإعمار وعودة النازحين؟
إذا لم يفعل، فسوف يظل بعيداً عن جوهر الأزمة السودانية.
الموقف الأمريكي.. تحول مهم
إعلان الخارجية الأمريكية استعداد واشنطن لدعم حوار حقيقي في السودان يمثل تطوراً مهماً.
والأهمية لا تكمن فقط في الموقف الأمريكي ذاته، وإنما في توقيته.
فإذا كانت واشنطن مستعدة لدعم حوار سوداني حقيقي، فإن ذلك يمكن أن يوفر مساحة دولية للحوار الداخلي بدلاً من فرض عملية سياسية من الخارج.
لكن المعيار الأساسي لنجاح أي دعم أمريكي أو دولي يجب أن يكون واضحاً:
هل يساعد السودانيين على التوافق، أم يحاول تحديد شكل التوافق نيابة عنهم؟
الدور الدولي يمكن أن يكون مفيداً عندما يكون داعماً وضامناً، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتحول إلى وصاية سياسية.
مريم الصادق المهدي.. خطاب يفتح الباب ولا يغلقه
تكتسب تصريحات مريم الصادق المهدي بشأن ضرورة الاتفاق بين العسكريين والمدنيين قبل الحوار أهمية خاصة.
فخطابها، كما يظهر من الموقف المتداول، لا يتجه بصورة مباشرة إلى القبول المطلق أو الرفض المطلق، وإنما يركز على شروط سياسية ينبغي الاتفاق عليها.
وهذا النوع من المواقف يمكن أن يكون أكثر فائدة من الرفض المطلق.
فالمرحلة الحالية تحتاج إلى تفاوض حول شروط الحوار، وليس إلى إغلاق باب الحوار.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نتحاور أم لا؟
بل:
كيف نتحاور؟ ومن يشارك؟ وما القضايا التي يناقشها الحوار؟ وما الضمانات؟ وما النتائج الملزمة؟
“للحوار ميقات”.. معركة تعريف نهاية الحرب
تكتسب الرؤية التي طرحها المسلمي البشير الكباشي حول أن للحوار ميقاتاً أهمية استراتيجية، لأنها تضع قضية التوقيت في قلب العملية السياسية.
فالحوار أثناء الحرب يختلف عن الحوار بعد توقف العمليات.
وفي الوقت نفسه، فإن انتظار نهاية الحرب عسكرياً بصورة كاملة قبل بدء الحوار قد يعني استمرار الحرب لسنوات.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي هو إيجاد التوقيت الذي يجمع بين:
الضغط العسكري، والتهدئة الإنسانية، والحوار السياسي، وإعادة بناء الدولة.
وهنا تظهر معركة أكثر عمقاً من معركة التفاوض نفسها:
من يحدد متى انتهت الحرب؟
فالحرب لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما عندما تتوافر ترتيبات أمنية وسياسية تمنع عودة الصراع.
موقف أردوغان.. تحذير ودعم
تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن التطورات في السودان لا تسير في اتجاه جيد تحمل دلالتين.
الأولى: أن تركيا ترى استمرار الحرب خطراً على السودان والمنطقة.
والثانية: أن أنقرة لا تزال تؤكد دعمها للدولة السودانية واستمرار علاقاتها مع القيادة السودانية.
وتأتي الزيارات والاتصالات السودانية ـ التركية في سياق أوسع من العلاقات الثنائية، يرتبط بأمن البحر الأحمر، والاستثمار، وإعادة الإعمار، والموقع الاستراتيجي للسودان.
ويمكن لتركيا أن تؤدي دوراً مهماً في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل وإعادة الإعمار.
الاتفاق الأمني والدفاعي مع السعودية
ويأتي الاتفاق السوداني ـ السعودي في المجالين الأمني والدفاعي في سياق التطورات الإقليمية المتسارعة.
فالسودان والسعودية يرتبطان بمصالح مباشرة في البحر الأحمر، كما أن استقرار السودان يمثل جزءاً من استقرار المنطقة الغربية للبحر الأحمر.
ومن منظور استراتيجي، فإن تعزيز التعاون الأمني لا ينبغي أن ينظر إليه فقط باعتباره تعاوناً عسكرياً، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة أوسع لحماية الحدود ومكافحة التهريب والإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين البحر الأحمر.
سلفاكير وملف جنوب السودان
يحمل لقاء حاكم دارفور مع الرئيس سلفاكير ميارديت أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية.
فجنوب السودان يتأثر مباشرة بما يحدث في السودان، كما أن اتفاقية جوبا للسلام تمثل أحد الملفات التي لا يمكن فصلها عن مستقبل دارفور.
وأي استقرار في دارفور يمكن أن ينعكس إيجاباً على جنوب السودان، والعكس صحيح.
كما أن الحدود الطويلة بين البلدين تجعل التعاون الأمني ضرورة وليس خياراً.
ومن هنا فإن جنوب السودان يمكن أن يكون شريكاً مهماً في جهود السلام، بدلاً من أن يتحول إلى ساحة جديدة لتنافس الأطراف السودانية.
التطورات داخل قوات الدعم السريع
تتحدث تقارير متداولة عن تدهور صحي محتمل في وضع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي.
وهذه المعلومات تحتاج إلى تحقق مستقل قبل اعتمادها كحقيقة نهائية.
لكن حتى بعيداً عن صحة هذه التقارير، فإن مجرد تداولها يكشف أهمية القيادة المركزية في بنية قوات الدعم السريع.
فأي تغير في القيادة العليا يمكن أن ينعكس على:
تماسك القوات.
إدارة العمليات.
شبكة العلاقات الخارجية.
عملية اتخاذ القرار.
مستقبل التفاوض.
ولهذا فإن الوضع الصحي والسياسي للقيادة العسكرية يمثل أحد المتغيرات التي يجب مراقبتها، دون الوقوع في فخ الاستنتاجات المبكرة.
الميدان.. الحرب لم تتوقف
رغم الحراك السياسي، فإن الحرب مستمرة.
وتبقى الجبهات الممتدة من دارفور إلى كردفان والنيل الأزرق مؤشراً على أن التسوية السياسية لا تزال مرتبطة بصورة وثيقة بموازين القوى العسكرية.
وهنا تظهر معادلة صعبة:
إذا توقفت الحرب من دون معالجة الترتيبات الأمنية، يمكن أن تعود.
وإذا استمرت الحرب بهدف تحقيق نصر عسكري كامل، فقد ترتفع كلفتها الإنسانية والسياسية.
لذلك فإن الحل الأكثر واقعية قد يكون في ربط التحول العسكري بالتسوية السياسية بدلاً من الفصل بينهما.
إثيوبيا.. متغير إقليمي لا يمكن تجاهله
يتزامن الحراك السياسي السوداني مع استمرار القلق من التطورات الإثيوبية.
فشرق السودان والنيل الأزرق مرتبطان بصورة مباشرة بأمن إثيوبيا، كما أن قيسان والكرمك تقعان ضمن منطقة شديدة الحساسية أمنياً واستراتيجياً.
وتظل ملفات الحدود، والفشقة، والنيل الأزرق، وسد النهضة، وحركة اللاجئين، عوامل يمكن أن تؤثر في العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا.
ولهذا فإن أي تسوية سودانية يجب أن تأخذ في الاعتبار البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان، لا سيما في الشرق والجنوب الشرقي.
السودان بين المبادرات الخارجية والحوار الداخلي
تتعدد حالياً المبادرات والتحركات:
الولايات المتحدة تتحرك.
الاتحاد الأفريقي يدعو إلى الهدنة والحل السياسي.
الخماسية تحاول تحريك العملية السياسية.
السعودية تعزز التعاون مع السودان.
تركيا تؤكد استمرار دعمها.
جنوب السودان يتحرك في ملفاته المشتركة مع السودان.
وإثيوبيا تتابع التطورات باعتبارها دولة جوار ذات مصالح مباشرة.
لكن وسط كل ذلك يجب ألا يضيع السؤال الأساسي:
أين القرار السوداني؟
إذا أصبحت المبادرات الخارجية هي التي تحدد شكل التسوية، فقد يجد السودان نفسه أمام سلام مؤقت لا يعالج جذور الحرب.
أما إذا استطاع السودانيون قيادة العملية، واستفادوا من الدعم الخارجي دون الخضوع له، فإن فرص الوصول إلى سلام مستدام ستكون أكبر.
السيناريوهات المقبلة
السيناريو الأول: اتساع الحوار الداخلي
يتزايد التأييد الشعبي والسياسي للحوار، وتنضم إليه القوى السياسية والمجتمعية والدينية، ويتحول إلى منصة وطنية واسعة.
وهذا السيناريو هو الأكثر إيجابية لأنه يعيد مركز القرار إلى الداخل.
السيناريو الثاني: حوار محدود بين النخب
يبدأ الحوار لكنه يظل محصوراً في القوى السياسية، مما يؤدي إلى استمرار شعور قطاعات واسعة من المجتمع بالتهميش.
وهذا قد ينتج تسوية سياسية هشة.
السيناريو الثالث: استمرار الحرب بالتوازي مع المفاوضات
تواصل الأطراف القتال لتحسين مواقعها، بينما تستمر المبادرات السياسية.
وهذا السيناريو قد يكون الأكثر احتمالاً على المدى القصير.
السيناريو الرابع: تغير موازين القيادة داخل الدعم السريع
إذا تأكدت المعلومات المتعلقة بتدهور وضع القيادة العليا، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب داخل قوات الدعم السريع، سواء باتجاه مزيد من التماسك أو نحو صراعات داخلية.
وفي هذه الحالة قد تتغير حسابات التفاوض بصورة كبيرة.
القراءة الاستراتيجية
السودان يقف أمام فرصة نادرة.
فالتقاء عدة عوامل في وقت واحد ــ الحراك الأفريقي، والانفتاح الأمريكي على دعم الحوار، والتحرك السعودي والتركي، والمبادرات السودانية الداخلية، ودخول القيادات المجتمعية والدينية ــ يمكن أن يشكل نافذة سياسية لإنهاء الحرب.
لكن الفرصة قد تضيع إذا تحول الحوار إلى صراع جديد بين النخب.
ولهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح الحوار يجب أن يكون قدرته على مخاطبة السودان الحقيقي: النازح، واللاجئ، والمزارع، والعامل، والطالب، والمرأة، والشباب، وأسر الضحايا، وأهل دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق والوسط والشمال.
الخلاصة
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة.
الميدان العسكري لا يزال حاضراً، لكن السياسة بدأت تستعيد مساحة متقدمة في المشهد.
والحوار السوداني ـ السوداني من الداخل يمكن أن يكون نقطة تحول تاريخية إذا تحول من مبادرة سياسية إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة.
إن دخول القيادات الدينية والصوفية والمجتمعية في مسار الحوار، إلى جانب المواقف السياسية المتدرجة، والاستعداد الأمريكي لدعم حوار حقيقي، والتحركات السعودية والتركية والأفريقية، كلها مؤشرات على أن هناك فرصة ينبغي عدم إهدارها.
وفي المقابل، فإن مستقبل الحرب لا يمكن فصله عن التطورات العسكرية، ولا عن وضع قوات الدعم السريع، ولا عن البيئة الإقليمية، خصوصاً في إثيوبيا وجنوب السودان والبحر الأحمر.
السودان اليوم أمام معركة تعريف نهاية الحرب: هل تنتهي بتسوية تفرضها الخارج، أم بتوافق يصنعه السودانيون؟
والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط نهاية الحرب، وإنما شكل الدولة السودانية لعقود قادمة.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
سلسلة الحرب على السودان (47) الحوار السوداني ـ السوداني يدخل مرحلة جديدة: بين تقوية الجبهة الداخلية وتغير موازين الحرب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
المقالة السابقة


