> «كيف يمكن لتوقيع رجلٍ على ورقة نقدية أن يصبح أغلى من الورقة نفسها؟»
قد تبدو القصة للوهلة الأولى حكايةً من زمنٍ بعيد، لكنها في الحقيقة مرآةٌ سودانية لم تغادرنا بعد.
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وبينما كان السودان يخطو خطواته الأولى نحو الاستقلال وبناء دولته الوطنية، أُعد إصدار من العملة السودانية يحمل توقيع رئيس الوزراء آنذاك إسماعيل الأزهري. كانت الأوراق قد طُبعت في لندن، وحملت تصاميم سودانية غير سياسية، ثم عندما جاءت لحظة طرحها للتداول، كان الأزهري قد أصبح خارج الحكم، وعبد الله خليل رئيسًا للوزراء.
فكانت النتيجة؟
إعادة طباعة الإصدار ، والسبب لم يكن عيبًا في الورقة، ولا خطأً في التصميم، ولا خللًا في قيمتها النقدية؛ وإنما لأن توقيع الرجل الذي أصبح خصمًا سياسيًا صار غير مقبول.
وتشير مصادر تاريخية متخصصة إلى أن الإصدار المعدّ في ١٩٥٥م بتوقيع الأزهري لم يُطرح، وأنه أُعيدت طباعة الأوراق لاحقًا دون توقيعه، حتى إن نماذج ذلك الإصدار أصبحت اليوم من القطع النادرة لدى جامعي العملات.
وهنا لا تعنينا الورقة النقدية بقدر ما يعنينا المعنى السياسي الكامن خلفها.
لأن السؤال ليس: لماذا أُعيدت طباعة العملة؟
السؤال الأكثر إزعاجًا هو:
> كيف وصل الخلاف السياسي إلى مرحلة يصبح فيها أثر الخصم أخطر من خسارة الدولة؟
هنا بالضبط يبدأ وهم الحوار.
فنحن لا نعاني فقط من مشكلة أن السودانيين لا يتحاورون ، بل نعاني أحيانًا من مشكلة أكثر خطورة:
> أننا نتحاور، ثم نختلف، ثم يتحول الاختلاف إلى خصومة، ثم تتحول الخصومة إلى رغبة في محو أثر الآخر.
وهذه ليست سياسة ، هذه ذاكرة سياسية مريضة.
فالسياسي الذي يريد أن يهزم خصمه في الانتخابات أو البرلمان أو الحوار، يمارس حقًا سياسيًا مشروعًا ، لكن السياسي الذي يريد أن يهزم أثر خصمه في الدولة، يبدأ في هدم الدولة التي يفترض أنه جاء ليحكمها.
وهنا تصبح القصة أكبر من الأزهري وعبد الله خليل ، إنها قصة السودان مع نفسه.
فكم مرة تعاملنا مع المشروع لأنه جاء من «جماعتنا»، ورفضناه لأنه جاء من «الجماعة الأخرى»؟
كم مرة أسقطنا فكرةً جيدة لأن صاحبها ليس الشخص الذي نريده؟
وكم مرة فضّلنا أن نبدأ من الصفر، لا لأن ما سبق كان خاطئًا، بل لأن الاعتراف بفضله يعني الاعتراف بفضل خصمنا؟
هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف السياسي إلى حقد سياسي.
والحقد السياسي أخطر من الخصومة؛ لأن الخصومة يمكن أن تنتهي، أما الحقد فيريد أن يمحو الذاكرة.
وفي رؤية الجسر والمورد، فإن الدولة ليست ملكًا للحكومة التي تحكمها، ولا للحزب الذي يفوز، ولا للنخبة التي تتصدر المشهد.
> الدولة موردٌ مشترك.
وكل مشروع ناجح فيها ينبغي أن يُبنى عليه، حتى لو كان صاحب فكرته خصمًا سياسيًا.
لأن الجسر الذي بناه خصمك لا يصبح جدارًا لمجرد أنك اختلفت معه.
والمورد الذي اكتشفه غيرك لا يتحول إلى ماءٍ مالح لأنك لا تحبه.
هذه هي عقلية الدولة.
أما عقلية الغنيمة فتقول إذا لم يكن الإنجاز لي، فلا ينبغي أن يبقى وهنا نفهم لماذا يتحول الحوار أحيانًا إلى وهم.
فالحوار الحقيقي لا يعني أن أتفق معك بل يعني…
أن أستطيع الاستفادة من فكرتك وأنا مختلف معك
أن أستطيع أن أقول «هذا خطأ» دون أن أقول «كل ما فعله صاحبه خطأ».
أن أستطيع أن أعارض الرجل، دون أن أعادي الدولة التي خدمها.
أن أفوز عليه سياسيًا، دون أن أحرق ما بناه مؤسسيًا.
> وهذا هو الفرق بين سياسة الخصومة وسياسة الدولة.
الأولى تبحث عن هزيمة الأشخاص.
والثانية تبحث عن انتصار المؤسسات.
الأولى تسأل: من فعلها؟
والثانية تسأل: هل تنفع السودان؟
الأولى قد تتلف ورقةً لأن عليها توقيع خصم.
أما الثانية فتحتفظ بالورقة، وتغيّر الحكومة إن شاءت، لكنها لا تغيّر ذاكرة الدولة كلما تغيرت السلطة.
وهنا تكمن المعضلة السودانية الكبرى فنحن كثيرًا ما نتعامل مع الدولة وكأنها تبدأ مع كل حكومة، وتنتهي بانتهاء كل حكومة ولهذا ظل السودان يعيد اختراع نفسه بدل أن يبني على نفسه.
وربما لهذا أيضًا ظل الحوار عندنا يدور حول الأشخاص أكثر مما يدور حول المؤسسات، وحول المواقع أكثر مما يدور حول السياسات، وحول من انتصر أكثر مما يدور حول.. ماذا بقي للسودان؟
إن قصة العملة القديمة تقول لنا شيئًا بسيطًا لكنه موجع ، قد تكون قيمة الورقة في اقتصادها، لكن قيمة الدولة في قدرتها على تجاوز أصحابها.
الأزهري لم يكن السودان
وعبد الله خليل لم يكن السودان.
والحزبان لم يكونا السودان.
لكن السودان كان أكبر منهما جميعًا.
وهذه هي الفكرة التي يجب أن يحملها أي حوار سوداني قادم..
> لا نريد حوارًا ينتصر فيه طرف على طرف؛ نريد حوارًا ينتصر فيه السودان على أسباب انقسامه.
لأن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي ليس أن يخسر خصمه… بل أن يربح خصمه، وتخسر الدولة معه.
فإذا كان الحوار جسرًا، فلا ينبغي أن نسأل من بناه أولًا ، بل نسأل هل ما زال قادرًا على حملنا جميعًا إلى الضفة الأخرى؟
وإذا كان المورد وطنيًا، فلا يهم من اكتشفه.
المهم ألا نهدره لأننا نكره اسم صاحبه.
> فالسودان لا يحتاج إلى سياسيين يتذكرون أسماءهم في كل ورقة… بل إلى رجالٍ يستطيعون أن يكتبوا اسم السودان فوق أسمائهم جميعًا.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.


