Popular Now

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (1) دولة مالي بين اختبار السيادة الهشة وأزمة الدولة .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

سلسلة الحرب على السودان (52) السودان بين المبادرة الأمريكية، وحوار الداخل، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | الصندوق العربي… واقتصاد الدولة .. إبراهيم شقلاوي

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (1) دولة مالي بين اختبار السيادة الهشة وأزمة الدولة .. د. اسماعيل الناير .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

إذا كانت منطقة الساحل بأكملها تعد قلباً ينزف على امتداد الصحراء الكبرى، فإن دولة مالي هي ذلك الشريان الأكثر تضرراً، ذلك البلد الذي امتدت جذوره التاريخية إلى أعماق إمبراطوريات غانا وسونغاي ومالي العريقة، والتي صارت اليوم مسرحاً لتناحر دولي وحرب أهلية ممتدة، بعد أن تحولت مدنها التاريخية، كتمبكتو وغاو، إلى نقاط ساخنة تتنازعها الجماعات الجهادية والحركات الانفصالية والقوات الحكومية المدعومة من تحالفات متقلبة. ففي أبريل من عام 2026، وتحديداً في اليوم الثاني والعشرين منه، شهدت مالي هجمات منسقة وغير مسبوقة طالت العاصمة باماكو ومدينتي كيدال وغاو في آن واحد، ولم تقتصر الخسائر على الجانب العسكري فحسب، بل بلغت ذروتها بمقتل وزير الدفاع الوطني، وهو ما يمثل اختراقاً أمنياً مهيناً للقيادة العسكرية التي كانت تمني الشعب المالي بالأمن والسكينه . هذا الحدث لم يكن مجرد هجوم متطرف فحسب ، بل كان طنعة نجلاء لنوع القيادة الجديد الذي تحدث عنه المفكر الصيني يان شيويه تونغ، ذلك أن شرعية المجلس العسكري الحاكم فى مالي كانت تقوم بالأساس على قدرته على توفير الأمن مقابل تفويض شعبي غير مسبوق، وعندما تهتز هذه القدرة، فإن الشرعية الأخلاقية التي بُنيت عليها الانقلابات المتتالية تتحول إلى رماد في لحظة، ويصبح الشعب أكثر تشككاً من أي وقت مضى في قدرة جنرالاته على حمايته، مما يعيد إنتاج دورة العنف ذاتها التي أوصلتهم إلى السلطة.
ولكن الأزمة المالية ليست أمنية فقط، بل هي اقتصادية بالدرجة الأولى، فالحصار المفروض على الطرق الحيوية التي تربط الشمال بالجنوب، وتحديداً الطريق المؤدي إلى مناجم الذهب وموانئ التصدير، أدى إلى شلل شبه كامل في حركة التجارة الداخلية، بينما أعلنت هيئات الإغاثة الدولية وصول أزمة الغذاء إلى المرحلة الرابعة على مقياس التصنيف المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة تسبق المجاعة الرسمية بخطوة واحدة، بان أصبح نحو ثلاثة ملايين شخص يعيشون على حافة الموت جوعاً، في مشهد كارثي تتداخل فيه العوامل المناخية مع سوء تصاريف السياسيه . وهنا تبرز المفارقة المستفزة التي يمكن قراءتها عبر مقاربة نظرية التبعية الغربية النقدية ، إذ تمتلك مالي ثروات هائلة من الذهب، وترتيبها السادس من اكبر الدول المنتجه له في القارة الإفريقية، إضافة إلى احتياطيات واعدة من الليثيوم والنحاس، لكن هذه الثروات لا تتحول إلى خبز على موائد الفقراء، بل تذهب أغلبيتها إلى خزائن الشركات العالمية، مثل شركة باريك للذهب الكندية التي دخلت في مواجهة مفتوحة مع الحكومة المالية بعد قرار الأخيرة رفع حصة الدولة في الإنتاج من عشرين بالمئة إلى خمسة وثلاثين بالمئة. هذه المواجهة ليست مجرد صراع تعاقدي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض سيادتها على مواردها، وهي المعركة ذاتها التي خاضها النموذج الاشتراكي الصيني في مراحله الأولى، حين انتزع السيطرة على ركائز الاقتصاد الوطني قبل الانطلاق نحو التصنيع، لكن الفارق الجوهري أن مالي تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية والقاعدة الصناعية التي تجعل هذه السيطرة مجدية اقتصادياً، مما يجعل تأميم الثروات دون قدرة على تكريرها وتصنيعها مجرد خطوة شكلية لا تغير من واقع التبعية شيئاً.
أما البعد الأكثر تعقيداً في الأزمة المالية، فهو البعد العرقي والهوياتي الذي يتجسد في صراع إقليم آزاواد، حيث يلتقي في معادلة خطيرة بين انفصاليي الطوارق، الذين يحلمون بدولة مستقلة في قلب الصحراء، وجماعات الجهاد العالمي التي تنتمي لتنظيمات القاعدة وداعش، التي تجد في هذا التمرد الإقليمي أرضاً خصبة للتوسع، وهو ما يمكن تفسيره باستعارة من الفلسفة الأوراسية لألكسندر دوغين، التي ترى أن الصراعات في المناطق العازلة ليست صراعات اقتصادية، بل هي صراعات حضارية بين قيم القبيلة والحداثة، وبين المركز والهامش. فتحالف الطوارق مع الجماعات الجهادية في بعض الجبهات، وتحاربهم معها في جبهات أخرى، يعكس حالة من الفوضى الخلاقة التي تستفيد من الفراغ الحكومي، وهذا الفراغ يفسره توماس بارنيت بدقة عبر مفهوم المنطقة الرمادية ، حيث تتداخل عصابات التهريب مع المقاتلين الأجانب مع الفلاحين المسلحين في نسيج واحد يصعب معه التمييز بين المدني والعسكري، وبين العدو والصديق. وفي خضم ذلك، تحاول قوات حكومة مالي، بمساعدة متطوعين من تحالف دول الساحل الجديد، شن هجمات مضادة، لكنها تفتقر إلى القدرة الاستخباراتية الكافية، وتظل تعتمد على الطيران المسير الذي لا يحسم المعارك في جغرافيا تتسع لآلاف الكيلومترات المربعة من الكثبان الرملية والوديان الوعرة.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً الذي تطرحه حالة دولة مالي اليوم، هو لماذا فشلت كل الحلول الأمنية، سواء الغربية منها أو الروسية الناشئة؟ نجيب علي ذلك ، برؤية واقعية نقدية، بالقول إلى أن التدخلات الخارجية، مهما اختلفت مسمياتها، تظل سطحية طالما أن الدولة المالية ذاتها لم تبنِ بعدُ جيشاً وطنياً حقيقياً، عقيدته وطنية، وجيشاً يعتمد في تمويله على عوائد الموارد الطبيعية عوضاً عن القروض الخارجية المشروطة. إن مالي اليوم، كما يرى المحللون الاستراتيجيون، تعيش حالة من السيادة الهشة التي لا تستند إلى قدرة مادية بقدر ما تستند إلى خطاب سياسي عاطفي، والخطاب وحده، كما حذرنا منه المفكر الصيني يان شيويه تونغ، لا يحمي القادة من سقوط الشرعية حين تنهار الخدمات الأساسية. وما لم تتجاوز مالي أزمة الحوكمة الداخلية، وإعادة توزيع الثروة، والمصالحة المجتمعية بين العرب والطوارق والسونغاي، فإن كل المفردات العسكرية وتحالفاتها الجديدة لن تكون سوى مسكنات مؤقتة لألم مزمن، بل إن التصعيد الأخير في أبريل 2026 ربما يكون مجرد مقدمة لموجة عنف أوسع تعيد خلط الأوراق مرة أخرى في هذا البلد الذي يبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه فيه على نحو مأساوي.

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان (52) السودان بين المبادرة الأمريكية، وحوار الداخل، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *