Popular Now

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (1)بين رحيل برخان وميلاد ” ليبتاكو-غورما .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

سلسلة الحرب على السودان (51) السودان بين اتساع الحرب وصراع المبادرات الدولية: هل تتجه الأزمة نحو تسوية أم إعادة تشكيل موازين القوى؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

حرب السودان صراع الداخل وفتنة الخارج .. هشام محمود سليمان

الساحل الإفريقي: صراع السيادة وإعادة التشكيل الجيوبوليتيكي (1)بين رحيل برخان وميلاد ” ليبتاكو-غورما .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

في عام 2022، عندما كانت آخر قوة عسكرية فرنسية تغادر قاعدة غاو في شمال دولة مالي، فان هذا المشهد لم يكن انسحاب مؤقت وعابر تكتكيا لهزيمة عسكرية معلنة، بل كان إعلاناً عملياً عن نهاية حقبة استعمارية بغيضة ، وفتحاً لـفراغ جيوسياسي لم تشهد القارة الإفريقية مثيلاً له منذ مؤتمر برلين (1884-1885) الذي قررت فيه دول الغرب الزحف واستعمار القارة الأفريقية السمراء . وبعد عام واحد فقط، وتحديداً في سبتمبر 2023، وقّعت حكومات دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر ميثاق ليبتاكو-غورما، محولة المنطقة من مجرد حديقة خلفية للصراعات الأوروبية، إلى معمل تجريبي لإعادة تعريف مفهوم الدولة القومية والسيادة في نظام دولي تسوده الفوضي وفي نفس الوقت يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية.
ساحاول فى هذه السلسلة من المقالات رصد احوال دول الساحل الافريقي ، وقراءتها عبر مقاربات نظرية متقاطعة لمفكرين كبار من الصين وروسيا ودول الغرب، فى محاولة للاجابة عن سؤال جوهري هل ولدت دول الساحل الافريقي كفاعل استراتيجي مستقل ، أم أنها انتقلت للتو من تبعية استعمارية إلى تبعيات جديدة أكثر تعقيداً؟
نقول فى البداية انه ولفهم جذور الانهيار الفرنسي في دول الساحل الافريقي ، فان مفكرين اثنين من مدرسة كوبنهاغن، هما باري بوزان وأولي ويفر، يقدمان لنا أداة تحليلية بديعة من خلال نظريتهما في مجمع الأمن الإقليمي. فوفقاً لهذه النظرية، فإن التفاعلات الأمنية الأكثر كثافة تحدث داخل أقاليم جغرافية محددة، لا بين القوى العظمى البعيدة.
ولربط هذه المقاربة مع واقع دول الساحل الافريقي نقول أن عملية برخان (2014-2022)، والتي تلتها تاكوبا، صُممت كحل أمني مستورد، يُسقط رؤى خارجية مكافحة الإرهاب العالمي على واقع محلي معقد فى دول الساحل تتداخل فيه عصبية القبائل، ونزاعات الرعي، والجفاف، وتهريب المخدرات. وبقراءة واقعية، كما يرى جون ميرشايمر، فإن محاولة القوة الخارجية (فرنسا) فرض الاستقرار عبر قوة عسكرية محدودة، أفضت إلى معضلة أمنية عكسية كلما زاد الوجود الفرنسي، زاد اندماج الجماعات الجهادية كجماعة نصرة الاسلام والمسلمين JNIM، ولاية الساحل ، مع العشائر المحلية المهمشة، وتحول الصراع من إرهاب إلى حرب تحرير وطني بامتياز.
لقد أثبتت نظرية مجمع الأمن الإقليمي أن التهديد المتطرف في الساحل لا يُحل بقواعد عسكرية في النيجر، بل يحتاج إلى حلول داخل النسيج الأفريقي ذاته. وعندما فشلت فرنسا وبقية دول الغرب في تقديم هذا الحل، وجدت النخب العسكرية الشابة في باماكو وواغادوغو ونيامي أنها تملك شرعية شعبية لهدم المعبد من الداخل وإعادة اللعبة من الصفر.
هنا يأتي الدور التفسيري الأعمق من المفكر الصيني البارز يان شيويه تونغ ونظريته في الواقعية الأخلاقية. يرى يان أن صعود أو انهيار القوى الدولية لا يعتمد فقط على القوة المادية، بل على نوع القيادة وقدرتها على تقديم العدالة الأخلاقية للداخل والخارج.
بقراءة يان، فإن انقلابات مالي (2020)، وبوركينا (2022)، والنيجر (2023) لم تكن مجرد صراعات على الكراسي، بل هي تحول في نوع القيادة من النخب الموالية للغرب (التي كان ينظر إليها شعبياً على أنها عميلة ومستنزفة للثروات وان القيادات العسكرية هذه تتبنى خطاباً قومياً صارماً يرفع شعارات: السيادة أولاً، واستعادة الثروات (كاليورانيوم في النيجر والذهب في بوركينا ومالي ، وبناء جيش وطني قوي.
وفقاً للالواقعية الأخلاقية، فإن المجالس العسكرية نجحت مؤقتاً في تحويل أوراقها الضعيفة الفقر، العزلة الدبلوماسية إلى قوة أخلاقية في الداخل، حيث صوّرت نفسها كحراس للكرامة الوطنية ضد الاستعمار الجديد. لكن يان يحذرنا من أن هذه الشرعية الأخلاقية قابلة للاستنزاف، فإذا فشلت هذه القيادات في تحقيق الأمن الغذائي والحد من الهجمات المتطرفة ، فإن نوع القيادة سينقلب ضدها، وهو ما نشهد بوادره في تصاعد هجمات أبريل 2026 فى دولة التي وصلت إلى قلب باماكو.
إن تحول دول الساحل نحو روسيا، وطلبها المساعدة من مجموعة “فاغنر” ثم تحولها إلى “الفيلق الروسي ، لا يمكن فهمه دون الاستعانة بالنظرية الروسية التي ارساها المفكر ألكسندر دوغين ونيو-أوراسيانية ، حيث ان خطابه السياسي بات حاضناً لتفكير النخب الروسية الحاكمة.
يرى دوغين أن العالم منقسم إلى أطلسي- بحري تهيمن عليه الولايات المتحدة وبريطانيا، و”أوراسي- بري تقوده روسيا والصين. في هذا التصور، فإن سعي دول الساحل الافريقي لبناء تحالف مستقل والخروج من الإيكواس يُقرأ كـانفصال عن المركز الأطلسي وانضمام إلى موجة السيادة الأوراسية، حيث تتشارك هذه الدول في رفض القيم الليبرالية الراسمالية الامبريالية الغربية المهيمنة ذات التوجه الاستعماري ومن هذه القيم حقوق الإنسان، الديمقراطية الإجرائية ذات المشروطية السياسية باهظت التكاليف ، مقابل قيم أكثر صرامة قائمة على النظام والتقاليد والسيادة غير القابلة للتفاوض.
لكن التطبيق النقدي لهذه النظرية يكشف عن مفارقة عميقة: روسيا اليوم ليست قادرة على تقديم نموذج اقتصادي بديل؛ فهي تبيع الأمن مقابل مناجم الذهب واليورانيوم، مما يجعل دول الساحل تنتقل من تبعية أمنية فرنسية إلى تبعية أمنية روسية، دون كسر الحلقة المفرغة لاقتصاد الريع. وهنا يبرز السؤال الذي سنناقشه في مقالاتنا القادمةمن هذه السلسلة، هل الأوراسية مجرد واجهة جديدة للاستعمار القديم ؟
المفكر بارنيت، الذي قسم العالم
إلى القلب المتصل والفراغ غير المتصل. يرى بارنيت أن أكبر تهديد لأمن العالم يأتي من هذه البقعة الرمادية التي لا تخضع للحوكمة العالمية.
دول الساحل الافريقي الثلاث، حسب التعريف بمعناه الضيق لمفهوم الساحل الافريقي وفقا لبعض الادبيات بجغرافيتها الشاسعة وتداخل حدودها الهشة، هي التجسيد الحي لهذا الفراغ، فهي تنتج اليورانيوم لفرنسا والذهب للإمارات والنفط للصين، لكنها تظل خارج شبكات البنية التحتية والتعليم والصحة العالمية. فشل فرنسا هنا لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان فشلاً في مشروع الحوكمة ذاته؛ حيث فضلت الشركات المتعددة الجنسيات استنزاف الثروات على بناء الدولة.
خاتما نقول انه إذا كان الاستعمار التقليدي قد انتهى بانكسار العلم الفرنسي فوق أسوار جدران باماكو، فإن معركة السيادة الحقيقية لم تبدأ بعد. إن تحدي دول الساحل الآن هو تحويل هذا الفراغ الجيوسياسي إلى فرصة حقيقية للنهوض، وهو ما يتطلب إعادة تعريف التحالفات، وبناء جيوش وطنية مهنية، والأهم، كسر هيكل التبعية الاقتصادية.

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان (51) السودان بين اتساع الحرب وصراع المبادرات الدولية: هل تتجه الأزمة نحو تسوية أم إعادة تشكيل موازين القوى؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *