مما داعنى ان اكتب هذه السطور أو المقارنة بعد عودتى إلي السودان بين قروب الشمس ورزاز الأمطار وأنا اشاهد كيف تقف البيوت صامده والامطار تغسل دموعها لعل القادم أفضل تذكرت صديقى إسحاق الحلقني وهجرة عصافير الخريف التي تغني بها وردي
هذه الأغنية التي ارتبط بها الوجدان السودانيي بإبداع إسحاق الحلنقي وصوت وردي، عن عصافير هي تلملم اطرافها بحثا عن الدفء، تغادر أوكارها حين يأتي الخريف، ثم تعود حين تنقضي أسباب الرحيل. لكن دعوني أتحدث اليوم عن هجرة أخرى… هجرة عصافير العقول. قاتل الله الحرب، وقاتل الله من أشعلها. فالحرب لا تقتل الإنسان وحده، ولا تهدم البيت وحده، ولا تحرق المؤسسة وحدها. الحرب تفعل شيئًا أخطر بكثير تدمر البيئة التي تجعل الإنسان قادرًا على التفكير والإبداع والبناء.
في ليالي النزوح يتساوى كل شيء الليل والنهار يصبحان نومًا وسهرًا بلا معنى والخصوصية تصبح رفاهية والظل لا يكون إلا بمقدار أن تمد رجليك. والماء لا يكون إلا بمقدار أن تسد عطشك، والغذاء يصبح سؤالًا يوميًا، والدواء يصبح أمنية، هناك وسط الخوف والجوع والعطش يتوقف العقل عن إنتاج المستقبل لأنه يصبح مشغولًا فقط بكيفية النجاة من اليوم وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية فحين تضطر العقول إلى الهروب فلا يهرب الأشخاص وحدهم بل تهرب معهم المعرفة والخبرة والسنوات الطويلة من التدريب والتجربة، يخرج الطبيب فيخرج معه علمه، ويغادر المهندس فتغادر معه سنوات من الخبرة ويرحل الأستاذ فتغادر معه أجيال كان يمكن أن يعلمها ويهاجر المصرفي والخبير والباحث والفني ورجل الأعمال والمبرمج والإداري.
يخرجون عبر الحدود بحثًا عن النجاة وفي الطريق تتلاشى الحدود بين المعرفة والجهل فالإنسان الذي كان بالأمس يبني مؤسسة أو يدير مصنعًا أو يخطط لمشروع الحرب تسلب الإنسان أدواته قبل أن تسلبه ممتلكاته، وما أقسى أن ترى بلدًا يحتاج إلى البناء بينما عقول أبنائه موزعة في مطارات وموانئ ومدن العالم و الأكثر إيلامًا أن البلدان التي تستقبل هؤلاء تعرف قيمتهم، تفتح لهم أبوابها تمنحهم فرص العمل تستفيد من علمهم وخبرتهم وتضعهم في مواقع يستطيعون فيها تحويل المعرفة إلى إنتاج والمشكلة إلى حل والمجهول إلى مستقبل هذه البلدان لم تنفق شيئًا على تعليمهم لم تدفع تكاليف طفولتهم، لم تتحمل سنوات دراستهم، لم تنتظر معهم سنوات التدريب كل ما تفعله أنها تدفع راتبًا شهريًا لعقل جاهز للعمل إنها تشتري ثمرة شجرة لم تزرعها وهنا تكمن واحدة من أعظم خسائر الحروب التي لا تظهر في دفاتر الحسابات
عندما تهدم الحرب مبنى بنك يمكن إعادة بنائه وعندما تدمر مصنعًا، يمكن استيراد معداته وعندما تحرق سيارة يمكن شراء أخرى لكن عندما يغادر خبير قضى ثلاثين عامًا في بناء معرفته فإن استعادته ليست مسألة شراء أو استيراد إنه رأس مال بشري تراكم عبر سنوات طويلة وإذا مات هذا الخبير فقد يموت معه جزء من المعرفة التي لم تُكتب، كم من خبرة سودانية ماتت مع أصحابها وكم من فكرة لم تر النور، وكم من مشروع كان يمكن أن يحول الصحراء إلى جنة خضراء، وكم من مهندس كان يمكن أن يعيد بناء مدينة، وكم من طبيب كان يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح، وكم من اقتصادي كان يمكن أن يضع مشروعًا لإنقاذ الاقتصاد وكم من باحث كان يمكن أن يكتشف حلًا لمشكلة ظلت البلاد تعاني منها عقودًا.
الحرب لا تقتل ما هو موجود فقط إنها تقتل ما كان يمكن أن يوجد وهذه هي المأساة التي لا نراها في صور المباني المهدمة نرى الخراب في الجدران ولا نراه في العقول نرى الجامعة التي أُغلقت ولا نرى الأستاذ الذي اضطر إلى الهجرة نرى المصنع الذي توقف ولا نرى المهندس الذي غادر نرى المؤسسة التي انهارت ولا نرى الخبرات التي تفرقت نرى المدن الخالية ولا نرى الأحلام التي خرجت منها.
لقد انهارت مبانٍ كثيرة بسبب الحرب لكن الأخطر أن عقولًا كثيرة انهارت قبل أن تصل إلى مرحلة البناء وما بين النزوح والهجرة تضيع ليالي العشم تلك الليالي التي كان الإنسان يحلم فيها بأن يرى وطنه أفضل كان يحلم بجامعة أقوى ومصنع أكبر وقرية أكثر إنتاجًا ومستشفى أفضل ومؤسسة أكثر كفاءة واقتصاد أكثر قوة.
ثم جاءت الحرب فبدل أن يسأل الإنسان ماذا سأبني غدا أصبح يسأل أين سأعيش غدا وهذه هي اللحظة التي تنتصر فيها الحرب حتى على الإنسان الذي لم يُقتل لأنها تحول طاقة البناء إلى طاقة نجاة. لكن السؤال الأكبر يبقى من هم الذين أوقدوا نار هذه الحروب من الذي يملك حق أن يحرق وطنًا ويشتت شعبًا ويهجر ملايين الناس من الذي يملك حق أن يجعل طبيبًا سودانيًا يعالج أبناء وطن آخر بينما يحتاج إليه وطنه ومن الذي يملك حق أن يجعل مهندسًا سودانيًا يبني مدنًا في الخارج بينما مدن بلاده مهدمة ومن الذي يملك حق أن يجعل أستاذًا سودانيًا يصنع أجيالًا في بلد آخر بينما جامعات بلاده تبحث عن طريق العودة.
إن الخسارة ليست خسارة الحرب وحدها الخسارة أن ثمار عقولنا ستنضج في أرض غير الأرض التي نبتت فيها سيجني الآخرون ثمار سنوات طويلة من التعليم والتجربة والتدريب وسيكون السؤال المؤلم لماذا تركناهم يرحلون ولماذا لم نحافظ عليهم ولماذا أشعلنا حربًا جعلت الوطن طاردًا لأفضل أبنائه لقد آن الأوان أن نفهم أن إعادة بناء السودان لا تعني إعادة بناء المباني فقط نحتاج إلى إعادة بناء الإنسان نحتاج إلى مشروع وطني لاستعادة العقول والخبرات وتوفير البيئة التي تجعل من هاجر قادرًا على العودة ومن بقي قادرًا على العمل ومن فقد الأمل قادرًا على الحلم من جديد
فالوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها الوطن يُبنى بالعقول التي تعرف كيف تضع الحجر في مكانه الصحيح ولذلك حين تنتهي الحرب يجب ألا يكون أول سؤال ماذا سنبني بل من سيبني وأين عقولنا وأين علماؤنا وأين خبراؤنا وأين شبابنا وأين أولئك الذين خرجوا من الوطن وهم يحملون في رؤوسهم مستقبلًا كان يمكن أن يصنعوه هنا إن الطيور حين تهاجر تعرف طريق العودة إلى أوكارها أما عصفور العقل فإذا وجد وطنًا يحتضنه وبيئة تحترم علمه ومؤسسة تقدر خبرته ومستقبلًا يضمن لأبنائه حياة كريمة فقد لا يعود وهنا تكون الحرب قد هدمت الوطن مرتين مرة حين هدمت مؤسساته ومرة حين هجّرت عقول من كان يستطيع إعادة بنائها. قاتل الله الحرب وصنّاعها ولنحفظ ما تبقى من عصافير العقول قبل أن يأتي يوم نبحث فيه عن مستقبل السودان فلا نجد من يصنعه.
هـجرة عـصافير الـخريف في مـوسم الـشوق الحلو
هـيج رحـيلها مـع الـغروب إحساس غلبني اتـحملو
و كتمت أشواق الحنـين داير الدموع يتـقـلــو
ورجعـت خليت الـدموع يـرتاح و مـنى ويـنزلو
ليـه يا عصافيـر الخريف خضرة مشاعري أشيلها صيف


