Popular Now

جلسة مجلس الأمن 10220: هزيمة مدوّية للمشروع الأمريكي الإماراتي في السودان .. التمديد الشهري التقني لحظر السلاح يسقط مخطط توسيع العقوبات.. والدبلوماسية السودانية تحوّل الحرب الداخلية إلى مصلحة حيوية لقوة عظمى .. د. خالد حسين

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (5) توحيد الوساطة ووقف التدخلات الخارجية.. هل اقترب المجتمع الدولي من تشخيص أزمة السودان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أبعاد المؤامرة وتخبط الإدارة: قراءة تحليلية في أزمة السودان الراهنة .. د. عبدالمولى موسى محمد

جلسة مجلس الأمن 10220: هزيمة مدوّية للمشروع الأمريكي الإماراتي في السودان .. التمديد الشهري التقني لحظر السلاح يسقط مخطط توسيع العقوبات.. والدبلوماسية السودانية تحوّل الحرب الداخلية إلى مصلحة حيوية لقوة عظمى .. د. خالد حسين

مقدمة
شكّلت جلسة مجلس الأمن رقم (10220)، المنعقدة يوم الخميس 10 سبتمبر 2026م بشأن السودان، محطة فاصلة في الصراع الدبلوماسي الدائر حول الملف السوداني؛ فقد انتهت بهزيمة واضحة للمشروع الأمريكي الإماراتي الرامي إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، مقابل انتصار دبلوماسي مدروس للخرطوم وحلفائها. هذه القراءة التحليلية تتتبع خيوط المعركة الدبلوماسية من محاولات الضغط التي سبقت الجلسة، مروراً بسجالات القاعة ومواقف الكتل المتصارعة، وصولاً إلى الدلالات الاستراتيجية لما جرى وما قد يترتب عليه في قادم الأيام.

الضغوط الأمريكية قبل الجلسة.. من مسعى بولس إلى ورقة “الكيماوي”

تعمل الولايات المتحدة بإصرار على تحقيق ما عجزت عن تحقيقه عبر بندقية حميدتي، وذلك بالضغوط التي تمارسها مباشرة على الخرطوم، وبتفريغها مسعد بولس لممارسة هذه الضغوط بصورة يومية، بهدف إجبار الحكومة السودانية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بالهدنة.

وكانت آخر هذه المحاولات الحملة الإعلامية المكثفة للترويج لاتهام الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية قبيل جلسة مجلس الأمن في 10 سبتمبر الجاري، وذلك برسالة مزدوجة موجهة إلى الخرطوم وموسكو معاً. ففي 9 سبتمبر 2026م، أي قبل يوم واحد فقط من الجلسة، أعلنت الخارجية الأمريكية أن التقييمات الأمريكية خلصت إلى إدانة الخرطوم بانتهاك التزاماتها الدولية واستخدام الأسلحة المحظورة أثناء الصراع، مؤكدة نفاذ عقوبات على الخرطوم تشمل:
– حظراً كاملاً على مبيعات الأسلحة والصادرات الأمريكية،
– وقف التمويل الائتماني الحكومي والتسهيلات من بنوك التنمية متعددة الأطراف،
– تقييد حركة وفاعلية الناقلات الجوية والشراكات السودانية داخل المجال الجوي السيادي للولايات المتحدة.

وبهذه التصريحات ضغطت واشنطن على الخرطوم، وعلى موسكو في الوقت ذاته، لمنعها من معارضة المشروع الأمريكي القاضي بحظر السلاح على كل السودان، عبر وضعها في حرج أخلاقي إذا استخدمت حق النقض لصالح دولة “لا تحترم التزاماتها الدولية”.

الحملة الموازية.. التنسيق الإماراتي وحسابات الذكاء الاصطناعي الزائفة

كان التنسيق واضحاً بين واشنطن وأبوظبي في الحملة الإعلامية المكثفة التي كشفتها شركة “أنثروبيك” الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي استهدفت الحكومة السودانية ومارست ضغوطاً على مؤسسات وخبراء دوليين. ومن أبرز ما كشفه التقرير شهادات مصطنعة منسوبة للأمم المتحدة، واستهداف مقرري المنظمة الدولية، وإنشاء نحو 300 حساب زائف لإدارة الحملة.

وكما هُزمت أمريكا والإمارات في مسرح العمليات العسكري، هُزمتا معاً في جلسة مجلس الأمن رقم 10220 يوم الخميس 10 سبتمبر 2026م.

الجلسة التمهيدية (10211).. التمرين الإحمائي

كانت جلسة مجلس الأمن رقم 10211 المنعقدة يوم 24 أغسطس 2026م بمثابة تمرين إحمائي استباقاً لجلسة 10 سبتمبر. وقد ذكرنا في تسجيل سابق أن القراءة الدقيقة لما دار من نقاش تؤكد أن الأمر محسوم سلفاً: إما قرار معدَّل تُنتزع منه أسنانه عنوة، وإما تمرير بصيغته القديمة.

ومن ذلك التاريخ دخلت أمريكا والإمارات في مفاوضات متعثرة اصطدمت بتحفظات روسية وصينية معلنة وصلت إلى حد التلويح بالفيتو، ومعارضة من باكستان والأعضاء الأفارقة الثلاثة، ورفض قاطع من الحكومة السودانية، انتهى بتأجيل التصويت إلى يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026م.

كلمة متحرك واشنطن.. محكمة البناء وقلب الطاولة

جاءت كلمة قائد متحرك واشنطن، السفير الحارث، محكمة البناء؛ إذ شكر فيها الدول الصديقة مسمياً روسيا والصين وباكستان والثلاثي الأفريقي، التي دعمت السودان في مطلبه العادل بعدم توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، والاكتفاء بتجديد تقني فحسب للقرار 1591. وبنى حجته على ركائز عدة، منها:
1. التعارض مع الميثاق: حظر السلاح بالصيغة المقترحة يتعارض مع حق الدفاع عن النفس المكفول للدول الأعضاء في ميثاق الأمم المتحدة بموجب المادة 51، وهو حق مكفول للقوات المسلحة السودانية والقوى المندمجة فيها في الحصول على الأسلحة اللازمة لحماية السيادة وإنتاجها.

2. الخلل العملي: الحظر الشامل سيقيّد الدولة الملتزمة بالقانون الدولي، بينما تبقى المليشيا حرة في التسليح عبر الحدود؛ مما يفيد تجارة السلاح المهرب ويوسّعها، ويقوّي نفوذ الفاعلين الخارجيين ورعاة المليشيا الإقليميين المعروفين للجميع.

3. المساواة المجحفة: تعميم منظور “أطراف النزاع” فيه مساواة مخلّة ومجحفة بين المليشيا والمرتزقة من جهة، والقوات المسلحة الشرعية من جهة أخرى.

وبلغة ذكية، وجّه الحارث أسئلة بليغة إلى حامل القلم، قلب بها الطاولة من معاقبة الدولة إلى مساءلة رعاة الطرف الآخر، ومنها:
– هل دعمتم خطة حماية المدنيين التي قدمها السودان للمجلس قبل عامين؟
– هل فُعِّلت آلية الحماية المجتمعية وأُسندت إلى الشرطة؟
– هل جرى تقييم استخدام الأسلحة ذات المنشأ الغربي التي تزود بها المليشيا، وتتبُّع سلاسل انتقال حيازتها؟

الموقف الروسي.. صراحة تفوق التوقعات

جاءت الكلمة الروسية قوية ككلمة الحارث ،إن لم تكن أقوى منها، وتضمنت عبارات حاسمة، منها:
– “لا مجال لتجاوز نطاق التمديد التقني البحت.”
– “لن تسمح روسيا بأي محاولة، مهما كانت طفيفة، من جانب المجلس لتوسيع نطاق القيود المفروضة على السودان.”
– تأكيد أن موقف روسيا “يتماشى تماماً مع موقف الحكومة الشرعية للبلاد”.
– التأكيد على أن الحكومة وقواتها المسلحة تتمتعان في الوقت الراهن بأفضلية ميدانية واضحة، وأنهما الجهة الضامنة للحفاظ على مؤسسات الدولة، ووحدتها وحماية المدنيين.

وتساءل المندوب الروسي، بدهاء تفاوضي، عن سبب عدم طرح توسيع المعايير عام 2023م، حين كانت قوات الدعم السريع تهدد الخرطوم ومدناً رئيسية أخرى.

خريطة المواقف داخل القاعة

ركز المبعوث الأمريكي في كلمته على أن نظام العقوبات الحالي، المستمر منذ نحو عشرين عاماً، قد عفا عليه الزمن وأصبح غير كافٍ لحقائق الحرب الراهنة، وأن التمديد التقني طويل الأمد لم يعد خياراً مطروحاً، مع دعوته إلى ضرورة توقف الدعم الخارجي.

وأيدت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا والدنمارك التوسيع الأمريكي ليشمل الحظر السودان كله، بينما أكدت الصين عدم تأييدها فرض حلول خارجية، داعية إلى احترام سيادة السودان ومؤسساته، وانضمت باكستان والأعضاء الأفارقة الثلاثة إلى الرافضين للتوسيع الجغرافي، مع تفضيل تحسين تنفيذ النظام القائم.

الخاتمة الإجرائية.. إجماع على تمديد شهري

في جلسة مجلس الأمن يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026م، اعتمد المجلس بالإجماع القرار 2828 (2026) بصيغته التقنية، محصوراً في دارفور، ولكن لمدة شهر واحد، بدلاً من إعادة النظر في القرار كل عام.

وبعد اعتماد القرار القديم بسريانه لمدة شهر، رحّب مندوب الولايات المتحدة بالتمديد، وقال: “لمسنا تأييداً قوياً من مجموعة واسعة من الأعضاء لتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كل السودان”.

فرد عليه المندوب الروسي بأن الإجماع حدث لأن النص “تمديد تقني بحت”، وأن أي محاولة مستقبلية للتوسيع ستلقى المعارضة ذاتها. أما الحارث فاعتبر الاجتماع انتصاراً للمطلب السوداني، مؤكداً أن بلاده ستعمل على أن يكون التمديد لأجل محتوم.

تشريح الهزيمة.. حسابات الأصوات

في تقديري، كان المندوب الأمريكي يحاول التغطية على الفشل عندما زعم أنه “لمس تأييداً قوياً”؛ فالوقائع تقول إن خمس دول فقط أيّدت علناً توسيع القرار ليشمل السودان كله، وهي: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والدنمارك ولاتفيا، بينما عارضته ست دول: روسيا، والصين، وباكستان، والثلاثي الأفريقي (جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا والصومال). أما الدول الأربع الباقية — وهي من حلفاء أمريكا — فلم تعلن موقفها بوضوح، وهي: اليونان، والبحرين، وكولومبيا وبنما.

وهذا الصمت لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل كان أحد أسباب هزيمة المشروع الأمريكي؛ فعندما طرحت واشنطن مسودتها اكتشفت أن كتلة المؤيدين المعلنين تتوقف عند خمس دول فقط، بينما اصطفت ضد المشروع علناً ست دول. ويعني ذلك أن واشنطن لم تكن تواجه فيتو روسيا فحسب، بل عجزت أصلاً عن تأمين أغلبية الأصوات التسعة اللازمة — وفق لوائح مجلس الأمن — لاعتماد أي قرار، وهو ما جعل التراجع إلى التمديد الشهري الخيار الوحيد المتاح.

لماذا فشل المشروع الأمريكي الإماراتي؟

فشلت أمريكا والإمارات في تمرير مشروعهما وكانت هزيمتهما مُذلّة، ويعود هذا الفشل إلى أسباب عدة:

1. الموقف الروسي الحاسم: الدعم الروسي الواضح للسودان، الذي لم يقتصر على التلويح بالفيتو، جعل الولايات المتحدة لا تخاطر بطرح المشروع للتصويت في مغامرة محسوبة الخسارة سلفاً.

2. فتور الحلفاء التقليديين: بدأ عدم الاقتناع بالمشروع الأمريكي واضحاً لدى بعض حلفاء واشنطن التقليديين، مثل البحرين، واليونان وكولومبيا.

3. ذكاء الصياغة السودانية: نجحت الدبلوماسية السودانية في تحويل الملف من “عقوبات على أطراف النزاع” إلى “مساس بسيادة دولة عضو تقاتل عدواناً”، وهي صياغة تجد التصدي والدعم الطبيعي لدى موسكو، وبكين والأفارقة.

التعويض الأمريكي ودلالات الجلسة

رغم الهزيمة المُذلّة للمشروع الأمريكي الإماراتي، حاولت واشنطن التعويض بجعل النظر في تمديد حظر السلاح شهرياً بواسطة المجلس لتبقى السودان تحت ضغط مستمر.

وقد عمّقت الجلسة وأكدت الانقسام الواضح داخل مجلس الأمن الذي لا يمكن تجاوزه على المدى المنظور، وهو ما يمثل حماية للسودان من التسلط الأمريكي المدفوع بالمال والمصالح الإماراتية.

كما تشير الجلسة إلى نجاح متحرك واشنطن بقيادة الدكتور الحارث في إدارة المفاوضات من خارج القاعة عبر الثلاثي الأفريقي الأمر الذي جعل روسيا تتجاوز الدفاع عن مبدأ السيادة إلى تبنٍّ شبه كامل لموقف الحكومة السودانية وروايتها، مما يعكس تحالفاً عميقاً مع الخرطوم، لا مجرد موقف أخلاقي.

لماذا يبدو كأن الموقف الروسي أقوى من الموقف السوداني؟

من خلال هذه الجلسة يبدو أن الموقف الروسي كان أقوى من الموقف السوداني، وذلك لسببين:
أولاً: الخرطوم لا تستطيع قانوناً التصويت أو الاعتراض داخل المجلس، فحضورها للجلسة راجع إلى أن موضوع النقاش يخصها، ولها حق النقاش فقط وصوتها الوحيد هو الكلمة والضغط الدبلوماسي غير المباشر. أما موسكو فتملك حق النقض، أي أن القوة الحقيقية في المعادلة روسية بالأصل، وأن السودان صاحب قضية لا صاحب قرار.
ثانياً: عملت الخرطوم بوعي وذكاء على جعل الملف “قضية سيادة دولة عضو” بدل كونه نزاعاً داخلياً، وبذلك نقلت عبء الدفاع تلقائياً إلى الدول التي تتبنى عقيدة السيادة، وعلى رأسها روسيا والصين. وجاء الموقف الروسي القوي ثمرةً لهندسة سودانية ذكية جعلت الدفاع عن السودان مصلحة روسية ذاتية.

لقد حقق السودان بدهاء وذكاء ما تعجز عنه دول كبرى؛ إذ حوّل حربه الداخلية إلى مصلحة حيوية لقوة عظمى. غير أن هذا الغطاء مرهون بثبات المعادلة الروسية، والسودان يملك ما يحقق هذا الثبات: قاعدة بحرية على البحر الأحمر معلّقة التنفيذ، وذهبٌ يقوّي اقتصاد الحرب الروسي وعقد تسليح قيد الإبرام.

التحول البنيوي في إدارة ملف العقوبات

أحدثت جلسة مجلس الأمن تحولاً بنيوياً في إدارة ملف العقوبات السودانية: انتهى عهد التجديد السنوي الأول، وبدأ عهد المُهَل القصيرة المشروطة التي يُستخدم بها الضغط على الخرطوم وموسكو شهرياً. فالإجماع الذي تم حول التجديد الشهري هو الحد الأدنى الذي تسمح به الخطوط الحمراء الروسية، وإبطال مفعول هذا التجديد والضغط الشهري بيد البرهان عبر إحدى خطوتين:
– الأولى: الحسم العسكري وطرد المليشيا من السودان في أسرع وقت.
– الثانية: إنفاذ المطلوبات الروسية، المتمثلة في:
– التوقيع على العقد المعد للقاعدة البحرية.
– إبرام اتفاقات طويلة المدى للتنقيب عن الذهب.
– التوقيع على عقد التسليح.

خاتمة

لم تكن جلسة 10 سبتمبر 2026م مجرد اجتماع إجرائي لتجديد قرار عقوبات، بل كانت معركة دبلوماسية كاملة الأركان، خرج منها السودان منتصراً بسلاح الصياغة الذكية والتحالفات المحكمة، فيما خرجت واشنطن وأبوظبي تلملمان شظايا مشروع سقط قبل أن يصل إلى التصويت. غير أن الانتصار الدبلوماسي مهما بلغ حجمه يبقى ناقصاً ما لم يُتوَّج بإنجازين متلازمين: حسم عسكري ينهي وجود المليشيا، وتثبيت للتحالفات الدولية يحوّل الغطاء الروسي من موقف ظرفي إلى التزام استراتيجي.
ويبقى السؤال الذي يلخّص المشهد كله معلّقاً بانتظار إجابة الخرطوم: هل يفعلها البرهان في زيارته لموسكو في أكتوبر القادم؟

المقالة السابقة

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (5) توحيد الوساطة ووقف التدخلات الخارجية.. هل اقترب المجتمع الدولي من تشخيص أزمة السودان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *