{وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّه مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46].
لم يعد خافياً على بصير أن ما يعصف بالسودان ليس مجرد نزاع عسكري داخلي عابر، بل هو زلزال استراتيجي مُدبّر يستهدف في جوهره تقويض كيان الدولة السودانية، وتفكيك بنيتها المجتمعية والسيطرة على مقدراتها الاستراتيجية والجغرافية.
لقد جاء هذا المخطط محبوكاً
بعناية فائقة، ومتعدد الأبعاد (اقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً وأمنياً)، في توقيت بالغ الحساسية كانت فيه القوى السياسية والحكومية السودانية مشغولة بصراعاتها البينية وتفاصيل الحكم الضيقة، غافلة عن العواصف الجيوسياسية التي كانت تدار في الغرف المغلقة إقليمياً ودولياً.
(1)
خيوط المؤامرة أيادٍ محلية وإقليمية ودولية:
تتطابق الشواهد والمعطيات لتؤكد أن الإمكانيات الضخمة الهائلة التي أُستثمرت لتدمير السودان لا يمكن أن تكون وليدة صدفة، ولا هي نتاج أطراف محلية وحدها، مهما بلغت دموية أطماعها. إن خلف الكواليس شبكة معقدة تتشابك فيها المصالح الدولية الطامعة في الثروات ومواقع التأثير الجيوسياسي، بأجندات إقليمية تتخذ من الجغرافيا السودانية ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة رسم خرائط النفوذ.
هذه الأطراف اعتمدت على أدوات محلية استُدرجت –عن وعي أو قصر نظر– لتكون رأس الحربة في تنفيذ أجندة التخريب الممنهج لمؤسسات الدولة، والبنية التحتية والنسيج الاجتماعي.
(2)
أزمة الكفاءة وإدارة المواجهة:
تكمن المأساة الكبرى اليوم في التفاوت الصارخ بين ضراوة ودقة المخطط الأجنبي التآمري، وبين تواضع القدرات العقلية والفكرية والاستراتيجية لمن يتولون دفة الرد والمعالجة. فبينما تقف البلاد أمام حرب بالوكالة أو حرب عالمية مصغرة تُدار بأحدث أدوات الهندسة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تبدو الإدارة الحالية في كثير من مفاصلها أسيرة لردود الأفعال العفوية، والتخبط في اتخاذ القرار، والعجز عن صياغة مشروع وطني استراتيجي يوازي حجم التحدي الوجودي القائم.
هذا العجز الإداري والفكري لم يقتصر على الميدان الاقتصادي فحسب، بل امتد ليشمل إدارة الأزمة الإنسانية، والدبلوماسية، مما فاقم من معاناة المواطن السوداني وجعل البلاد مرتعاً لتغول أطماع الخارج.
(3)
إنّ مواجهة مشروع التدمير الممنهج لا يمكن أن تُؤتى أكلها بالتمنيات أو بالشعارات الحماسية المفرغة، بل تتطلب بالضرورة ثورة فكرية واستراتيجية حقيقية.
وإنّ السودان بحاجة ماسة إلى:
(أ) الاعتراف بحجم التحدي وإدراك أن المعركة تتجاوز حدود الأفراد والتشكيلات الحالية لتستهدف الوجود الوطني برمته.
(ب) إنّ استنهاض الكفاءات الحقيقية وإقصاء العقلية التقليدية البيروقراطية لصالح تخطيط علمي استراتيجي يدار بعقول وطنية محترفة.
(ج) توحيد الجبهة الداخلية على أسس وطنية صلبة تعيد لحمة النسيج الاجتماعي وتغلق الباب نهائياً أمام اختراقات المخططات الخارجية.
إن التاريخ لا يرحم من فرّطوا في مقدرات أوطانهم عن عجز أو جهل، وإن إنقاذ السودان اليوم يبدأ حصراً من بناء العقل القيادي الاستراتيجي القادر على قراءة المخطط، وتفكيك عناصره وإعادة بناء الدولة على أسس من السيادة والمنعة.


