Popular Now

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (6) : السدود تحت التهديد.. وعودة السودان إلى إيغاد ودعم الأشقاء ومسار إعادة بناء الدولة د. الزمزمي بشير عبد المحمود ..الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أصل القضية | السودان.. ما هو مشكِل؟ وما هو مكتشَف؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

هل يمكن تحقيق استقرار نقدي دون استعادة الإنتاج؟ مستشار .. أحمد حسن الفادني – باحث بمركز الخبراء العرب

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (6) : السدود تحت التهديد.. وعودة السودان إلى إيغاد ودعم الأشقاء ومسار إعادة بناء الدولة د. الزمزمي بشير عبد المحمود ..الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة
تتسع دوائر الصراع حول السودان، ولم تعد الحرب محصورة في خطوط المواجهة العسكرية التقليدية، بل بدأت تقترب بصورة متزايدة من البنية التحتية الاستراتيجية للدولة.
ففي 15 سبتمبر، أعلنت القوات المسلحة السودانية اعتراض مسيّرات استهدفت مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت في ولاية القضارف، إضافة إلى محاولة استهداف سد خشم القربة في ولاية كسلا، من دون تسجيل أضرار هيكلية أو خسائر بشرية في هذه المنشآت وفق التقارير المنشورة.
وبالتزامن مع ذلك، يشهد المسار السياسي تطورات مهمة، أبرزها عودة السودان إلى الانخراط الكامل في منظومة إيغاد، وتحركه باتجاه دعم حوار سوداني داخلي بعيد عن الإملاءات الخارجية، بالتوازي مع مواقف مصرية وسعودية تؤكد دعم أمن السودان ووحدته ومؤسساته.
وفي الجانب الآخر، تظهر مؤشرات على أن الدولة لا تتحرك فقط في المجال العسكري والدبلوماسي، وإنما بدأت تبحث عن إعادة تشغيل البنية التحتية والخدمات، من خلال شراكات مع السعودية، واليابان، وماليزيا وإسبانيا.
وهنا تبرز القضية المركزية لهذا المقال:
هل تنتقل الحرب السودانية من استهداف الأرض والقوات إلى استهداف مقومات الدولة ذاتها، وهل تستطيع الدبلوماسية السودانية ودعم الأشقاء وشراكات إعادة الإعمار منع هذا المسار؟
أولاً: استهداف السدود.. تطور نوعي في طبيعة الحرب
يمثل استهداف المنشآت المائية والكهربائية تحولًا شديد الحساسية في طبيعة الحرب.
فمجمع سدي أعالي عطبرة وستيت ليس منشأة عسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما يرتبط بالري وتوفير المياه والطاقة، كما يمثل سد خشم القربة جزءًا مهمًا من البنية المائية والزراعية في شرق السودان.
وبحسب التقارير المنشورة، اعترضت الدفاعات الجوية السودانية مسيّرات كانت متجهة نحو هذه المنشآت، ولم تُسجل أضرار مادية فيها.
والأهمية هنا لا تتعلق فقط بالهجوم نفسه، وإنما بطبيعة الهدف.
فاستهداف موقع عسكري يختلف استراتيجيًا عن استهداف سد أو منشأة مياه أو كهرباء؛ لأن الأثر المحتمل يتجاوز المؤسسة العسكرية إلى ملايين المدنيين والاقتصاد والزراعة والخدمات.
ولهذا فإن حماية البنية التحتية الحيوية يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجية الدولة لحماية الأمن القومي.
ثانياً: من يقف خلف المسيّرات؟
أشارت مصادر سودانية وتقارير إعلامية إلى اتهامات تتعلق بمصدر المسيّرات التي استهدفت المنشآت الحيوية بالقرب من الحدود الإثيوبية.
لكن المعطيات المنشورة لا تكفي للجزم بأن الدولة الإثيوبية هي التي نفذت الهجوم.
وهذه نقطة يجب التعامل معها بمنتهى الدقة، فوجود المسيّرات بالقرب من الحدود الإثيوبية، أو اتهام جهة ما بالوقوف وراءها، لا يساوي إثبات المسؤولية المباشرة.
كما أن المنطقة الحدودية تشهد تعقيدات أمنية متعددة، مع استمرار الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع وتداخل ملفات الحدود والتهريب والحركات المسلحة.
لذلك فإن أي اتهام مباشر لدولة مجاورة يحتاج إلى أدلة قابلة للتحقق.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل خطورة استهداف المنشآت الحيوية الواقعة بالقرب من الحدود الشرقية.
وهنا تظهر الحاجة إلى تعزيز الرقابة الجوية وحماية السدود ومحطات الكهرباء والمطارات ومخازن الوقود والمنشآت المائية.
ثالثاً: لماذا يمثل استهداف السدود تهديدًا للأمن القومي؟
السودان دولة تعتمد بدرجة كبيرة على النيل ومشروعات الري والزراعة.
ولهذا فإن السدود ليست مجرد منشآت هندسية.
إنها جزء من:
الأمن المائي، والأمن الغذائي، والطاقة، والاستقرار الاجتماعي، والاقتصاد الوطني.
وأي ضرر كبير يصيب هذه المنشآت يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التداعيات:
– تعطيل الري.
– تضرر الزراعة.
– نقص الكهرباء.
– اضطراب مياه الشرب.
– ارتفاع أسعار الغذاء.
– نزوح السكان.
– خسائر اقتصادية واسعة.
ومن هنا فإن حماية السدود يجب ألا تكون مسؤولية عسكرية فقط، وإنما مسؤولية وطنية متكاملة تشارك فيها المؤسسات الأمنية والهندسية والمائية والولائية.
رابعاً: هل تدخل الحرب مرحلة استهداف الدولة؟
إذا انتقلت العمليات من استهداف القوات إلى استهداف:
السدود، الكهرباء، الموانئ، المطارات، الطرق، الجسور، الوقود ومراكز الخدمات، فإن طبيعة الحرب تتغير.
لم يعد الهدف مجرد السيطرة على الأرض، بل يصبح تعطيل قدرة الدولة على العمل.
وهذا هو أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة في حرب طويلة.
فالجيوش تستطيع القتال، لكن الدولة تحتاج إلى الكهرباء والمياه والطرق والموانئ والموارد والمؤسسات حتى تستمر.
ولهذا فإن حماية البنية التحتية أصبحت جزءًا من حماية الدولة نفسها.
خامساً: عودة السودان إلى إيغاد.. استعادة الحضور الإقليمي
في تطور دبلوماسي مهم، عاد السودان إلى المشاركة الكاملة في منظومة الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد»، بعد أن كان قد علّق مشاركته فيها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن السودان ليس دولة هامشية في منظومة القرن الأفريقي.
بل هو: دولة مؤسسة في البيئة الجغرافية لإيغاد، وجسر بين القرن الأفريقي والعالم العربي والبحر الأحمر.
وعودة السودان إلى المنظمة تتيح له طرح رؤيته من داخل المؤسسة الإقليمية بدل أن تترك الساحة للآخرين لتحديد طبيعة الأزمة ومسارات حلها.
سادساً: الحوار السوداني من الداخل.. محاولة استعادة القرار
اللافت في الموقف السوداني داخل إيغاد هو التركيز على أن يكون الحوار سوداني القيادة.
وتتواصل النقاشات حول لجنة تهيئة الحوار ومصادر تمويله، في ظل إعلان اللجنة رفض تمويل أممي للحوار، وهو ما يعكس حساسية مسألة الاستقلال المالي والسياسي للمسار التفاوضي.
كما تطرح القوى السياسية المختلفة شروطًا للمشاركة، الأمر الذي يجعل بناء أرضية مشتركة مهمة صعبة لكنها ضرورية.
والسؤال الأساسي هو:
هل يمكن بناء حوار سوداني لا يتحول إلى ساحة جديدة للتدخل الخارجي؟
فالسودان يحتاج إلى:
– دعم إقليمي.
– دعم أفريقي.
– دعم دولي.
– ضمانات دولية.
– مساعدات إنسانية.
لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يظل صاحب القرار في تحديد مستقبل الدولة.
سابعاً: شروط المشاركة في الحوار.. من يشارك ومن يُستبعد؟
تستمر النقاشات حول القوى التي ينبغي أن تشارك في الحوار السوداني.
وتطرح بعض القوى السياسية شروطًا للمشاركة، فيما ترفض قوى أخرى تشكيل بعض اللجان أو آليات التهيئة الحالية.
وهذا طبيعي في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب.
لكن هناك قاعدة لا بد من تثبيتها:
الحوار يجب ألا يتحول إلى مكافأة للقوة المسلحة، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإقصاء المكونات السياسية والاجتماعية.
والحل هو وضع معايير موضوعية للمشاركة، أهمها:
– الالتزام بوحدة السودان.
– رفض استهداف المدنيين.
– القبول بالحل السياسي.
– رفض إنشاء جيوش موازية.
– احترام مؤسسات الدولة.
– عدم استخدام الحوار غطاءً لاستمرار الحرب.
وبذلك يصبح الحوار طريقًا إلى الدولة، لا طريقًا إلى تقسيم السلطة بين القوى المسلحة.
ثامناً: مصر والسعودية.. موقف مشترك تجاه وحدة السودان
في ظل التطورات الإقليمية، أكدت مصر والسعودية دعم استقرار السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وهو موقف يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان وعلاقته المباشرة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فالدولتان تملكان تأثيرًا مباشرًا في:
البحر الأحمر، الأمن العربي، الاقتصاد، الغذاء والسياسة الإقليمية.
لكن الأهم أن الدعم الإقليمي الفاعل للسودان ينبغي أن يتجه إلى تثبيت الدولة ودعم الحل السياسي وليس إلى إدارة القرار السوداني من الخارج.
تاسعاً: الدعم السعودي.. من الموقف السياسي إلى دعم مؤسسات الدولة
أعلنت السعودية تقديم منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم ست وزارات سودانية.
وتكتسب هذه المساعدة أهمية تتجاوز قيمتها المالية.
فالوزارات هي العمود الفقري للدولة.
وعندما تتعرض الدولة للحرب، فإن دعم:
المالية + الصحة + التعليم + الزراعة + التعليم العالي + الثقافة والإعلام
يعني المساهمة في الحفاظ على مؤسساتها المدنية.
ومن هنا يمكن قراءة الدعم السعودي باعتباره جزءًا من دعم القدرة المؤسسية للدولة السودانية في ظروف استثنائية.
عاشراً: اليابان.. دعم الدولة من بوابة الخدمات
في اتجاه مختلف، أعلنت اليابان توسيع مشروع نظافة المدن السودانية ليشمل ست ولايات.
ويمثل ذلك نموذجًا مختلفًا للدعم الخارجي، يقوم على الخدمات وبناء القدرات بدل الاقتصار على المساعدات الطارئة.
كما تبرز مجالات التعاون الياباني في الزراعة والصحة والمياه والتدريب.
وهذه الشراكة تحمل دلالة مهمة:
إعادة بناء الدولة تبدأ أحيانًا من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
فالنظافة، والمياه، والصحة، والتعليم، والزراعة ليست ملفات هامشية، وإنما مكونات أساسية للاستقرار.
الحادي عشر: المياه.. ماليزيا وإسبانيا وشراكات إعادة الإعمار
وفي تطور آخر، برز تعاون مع شركات ماليزية وإسبانية في مجالات المياه والنقل والطاقة، بما في ذلك مشروعات تهدف إلى تحسين إمدادات المياه لمدن سودانية، بينها الأبيض وبورتسودان.
وهذه الخطوة تحمل دلالة مهمة:
السودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء الحرب، بل يحتاج إلى إعادة تشغيل الدولة. فإعادة المياه، والكهرباء، والنقل والموانئ يمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية ما بعد الحرب، بل ينبغي أن تبدأ حيثما تسمح الظروف الأمنية.
الثاني عشر: من الدعم الإنساني إلى إعادة بناء الدولة
تأتي هذه المبادرات في وقت تواجه فيه المنظومة الإنسانية السودانية أزمة تمويل كبيرة.
وتشير تقارير حديثة إلى تراجع التمويل المخصص للعمليات الإنسانية، بالتزامن مع استمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
وهذا يفرض تغييرًا في طريقة التعامل مع الأزمة.
فالإغاثة وحدها لا تكفي.
والدولة تحتاج إلى الانتقال تدريجيًا من:
الإغاثة → التعافي → إعادة الإعمار → التنمية.
الثالث عشر: السودان والقرن الأفريقي.. عودة السياسة الإقليمية
عودة السودان إلى إيغاد تأتي في وقت يشهد فيه القرن الأفريقي ضغوطًا متعددة:
الحرب السودانية، التوترات الحدودية، أزمات الغذاء، النزوح،أمن البحر الأحمر، التنافس على الموانئ و الصراعات الداخلية في بعض دول الإقليم.
ومن هنا فإن السودان لا يستطيع عزل نفسه عن محيطه، لكنه يستطيع أن يحدد طبيعة علاقته بمحيطه.
الرابع عشر: إثيوبيا والسودان.. السدود ومخاطر الجغرافيا
الحدود السودانية–الإثيوبية تحمل أهمية استثنائية.
فإثيوبيا تمتلك سد النهضة، بينما توجد داخل السودان منظومة من السدود والمنشآت المائية ذات الأهمية الاقتصادية.
ولهذا فإن أي توتر عسكري قرب المنشآت المائية السودانية يمكن أن يرفع مستوى المخاطر الإقليمية.
لكن من المهم عدم الانتقال مباشرة من حادثة عسكرية أو اتهام إعلامي إلى استنتاج بوجود سياسة إثيوبية رسمية لاستهداف السدود السودانية.
فالملف يحتاج إلى:
تحقيق، وأدلة، وقنوات اتصال مباشرة، وآليات أمن حدودي.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا يحمل مخاطر تتجاوز البلدين إلى الأمن المائي والغذائي للقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
الخامس عشر: هل تتحول السدود إلى ساحة صراع إقليمي؟
هذا السؤال يجب أن يؤخذ بجدية، ولكن دون تهويل.
فالمنشآت المائية الكبرى في منطقة القرن الأفريقي أصبحت جزءًا من الأمن الاستراتيجي للدول.
وفي السودان، يمكن أن يؤدي استهداف منشأة مائية إلى تأثيرات تتجاوز حدود الولاية التي تقع فيها.
ولهذا فإن حماية السدود ينبغي أن تصبح جزءًا من تفاهمات إقليمية أوسع تحظر استهداف المنشآت الحيوية المدنية.
وهذا المبدأ يجب أن يشمل:
السدود، محطات المياه، المستشفيات، الكهرباء، المطارات، الموانئ، ومرافق الغذاء.
السادس عشر: من الحرب إلى إعادة بناء الدولة
رغم استمرار الحرب، فإن بعض التطورات تحمل مؤشرات على أن الدولة السودانية بدأت التفكير في مرحلة ما بعد الحرب:
– الدعم السعودي للمؤسسات.
– التعاون الياباني في الخدمات.
– الشراكات الماليزية والإسبانية في المياه والطاقة والنقل.
– عودة السودان إلى إيغاد.
– الحوار الداخلي.
كلها مسارات مختلفة لكنها تلتقي في نقطة واحدة:
الحفاظ على الدولة وإعادة تشغيل مؤسساتها.
وهذا مهم لأن أخطر نتائج الحرب ليست فقط الخسائر البشرية والمادية، وإنما احتمال أن تصبح الدولة نفسها غير قادرة على أداء وظائفها
الأساسية.
السابع عشر: المعركة الحقيقية.. الحفاظ على مؤسسات الدولة
إذا كان جوهر هذه السلسلة هو التحذير من تفكيك الجيش ثم تفكيك الدولة، فإن التطورات الحالية تكشف أن المسألة أوسع.
فالخطر الاستراتيجي لا يرتبط بمؤسسة واحدة، وإنما باحتمال تفكك الدولة بمؤسساتها المختلفة:
الجيش، الشرطة، القضاء، الخدمة المدنية، الاقتصاد، البنية التحتية، المؤسسات التعليمية والصحية والسوق الوطني.
فإذا تفككت هذه المؤسسات، فإن إعادة بناء السودان تصبح أصعب بكثير من إعادة بناء المباني التي دمرتها الحرب.
الثامن عشر: مجريات الحوار السوداني.. الفرصة والتحدي
الحوار السوداني يظل أحد أهم مفاتيح الخروج من الأزمة.
لكن نجاحه يتطلب تجاوز الخلاف حول الأشخاص واللجان والمواقع إلى الاتفاق على قواعد اللعبة الوطنية.
ومن أهم هذه القواعد:
وحدة السودان، سيادة الدولة، حماية المدنيين، إنهاء تعدد الجيوش، احترام مؤسسات الدولة، وإدارة مرحلة انتقالية متفق عليها.
كما ينبغي ألا يصبح التمويل الخارجي عنصرًا يحدد أجندة الحوار.
فإذا كان الخارج يستطيع تقديم الدعم الفني واللوجستي، فإن تحديد الأولويات السياسية يجب أن يظل سودانيًا.
التاسع عشر: أربعة مسارات متزامنة أمام السودان
يمكن قراءة المرحلة الحالية من خلال أربعة مسارات:
1. المسار العسكري
حماية المدن والمنشآت الحيوية ومنع انتقال الحرب إلى البنية التحتية الاستراتيجية.
2. المسار الدبلوماسي
استعادة السودان دوره داخل إيغاد وتفعيل علاقاته مع مصر والسعودية وروسيا وبقية الشركاء.
3. المسار السياسي
بناء حوار سوداني داخلي يحدد مستقبل الدولة بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
4. مسار إعادة البناء
إعادة تشغيل المياه والكهرباء والصحة والتعليم والزراعة والنقل والخدمات.
وهذه المسارات الأربعة لا ينبغي أن تعمل منفصلة.

الخلاصة الاستراتيجية
المشهد السوداني في منتصف سبتمبر 2026 يكشف عن تحول مهم:
الحرب لم تعد مجرد مواجهة على الأرض، وإنما أصبحت معركة على قدرة الدولة على البقاء والعمل وإعادة إنتاج نفسها.
فاستهداف السدود والمنشآت الحيوية، إذا تأكدت مسؤوليته واتسعت نطاقاته، يمثل تهديدًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
وفي المقابل، فإن عودة السودان إلى إيغاد، والمواقف المصرية والسعودية الداعمة لوحدته واستقراره، والدعم السعودي للمؤسسات الحكومية، والتعاون الياباني في الخدمات والتنمية، والشراكات الماليزية والإسبانية في المياه والطاقة والنقل، تفتح مسارات يمكن أن تساعد في تعزيز قدرة الدولة على الصمود وإعادة البناء.
لكن هذه التطورات لا تلغي المخاطر.
فاستمرار الحرب، وتعدد مصادر السلاح، واستهداف البنية التحتية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتراجع التمويل الدولي، يمكن أن تجعل تكلفة إعادة بناء الدولة أعلى بكثير.
ومن هنا فإن المعادلة السودانية أصبحت واضحة:
حماية الجيش لا تنفصل عن حماية الدولة، وحماية الدولة لا تنفصل عن حماية الاقتصاد والبنية التحتية، وحماية البنية التحتية لا تنفصل عن إنهاء الحرب.
كما أن عودة السودان إلى إيغاد ينبغي ألا تكون مجرد عودة مؤسسية، بل فرصة لاستعادة المبادرة الدبلوماسية السودانية داخل القرن الأفريقي، والدفع نحو معالجة التدخلات الخارجية والنزاعات الحدودية وأمن البحر الأحمر.
أما الأشقاء في مصر والسعودية، فإن دعمهم لاستقرار السودان ووحدته يمكن أن يتعزز بتحويل المواقف السياسية إلى دعم مؤسسي واقتصادي وإنساني مستدام.
وفي الجانب الآخر، فإن التعاون الياباني والماليزي والإسباني يفتح نافذة مهمة أمام السودان لإعادة بناء الخدمات والبنية التحتية، شريطة توفير البيئة الأمنية والقانونية والاقتصادية التي تجعل هذه الشراكات قابلة للاستمرار.

خاتمة عملية: من تشخيص الخطر إلى حماية الدولة
إن الخروج من الأزمة السودانية لا يحتاج إلى مزيد من البيانات وحدها، وإنما إلى إجراءات عملية متزامنة، تبدأ من حماية الدولة ومؤسساتها وتنتهي بسلام مستدام وإعادة إعمار حقيقية.

أولاً: حماية المنشآت الحيوية فورًا
تشكيل غرفة وطنية مشتركة لحماية السدود ومحطات الكهرباء والمياه والمطارات والموانئ ومخازن الغذاء والوقود، مع رفع مستوى المراقبة والإنذار المبكر حولها.

ثانياً: فتح تحقيق مهني في استهداف المنشآت المدنية
أي هجوم على منشأة حيوية يجب أن يخضع لتوثيق وتحقيق مهني يحدد طبيعة السلاح ومصدره ومسؤولية الجهة المنفذة، بعيدًا عن الاستنتاجات السياسية المسبقة.

ثالثاً: توحيد المسار الدبلوماسي السوداني
إنشاء آلية تنسيق واحدة تضم المؤسسات المختصة لتوحيد الخطاب السوداني أمام الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد والدول العربية والشركاء الدوليين.

رابعاً: تحويل عودة السودان إلى إيغاد إلى أداة للسلام
ينبغي أن يستثمر السودان عودته إلى المنظمة في الدفع نحو آلية إقليمية واضحة تمنع التدخلات الخارجية، وتدعم وقف الحرب، وتحترم وحدة السودان وسيادته.

خامساً: إطلاق حوار سوداني بمعايير واضحة
تشكيل آلية تحضيرية سودانية مستقلة، تضع معايير معلنة للمشاركة، وتضمن تمثيل القوى السياسية والمجتمعية، مع منع استخدام الحوار غطاءً لاستمرار الحرب أو شرعنة السلاح خارج مؤسسات الدولة.

سادساً: دعم إقليمي يحترم القرار السوداني
يمكن لمصر والسعودية، بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي وإيغاد، دعم آلية سياسية وأمنية هدفها حماية وحدة السودان ومنع انتقال الصراع إلى دول الجوار، دون أن تتحول الآلية إلى وصاية على القرار السوداني.

سابعاً: التعامل مع السلاح والتمويل بمعيار واحد
أي مسار دولي لوقف الحرب يجب أن يتعامل مع مصادر السلاح والتمويل لجميع الأطراف وفق معيار موحد وقابل للتحقق، حتى لا تتحول العقوبات إلى عامل يغير ميزان القوة بدل أن ينهي الحرب.

ثامناً: إنشاء صندوق لدعم مؤسسات الدولة
يخصص لدعم القطاعات الأكثر إلحاحًا: الصحة، التعليم، المياه، الكهرباء، الزراعة، النقل والخدمات الأساسية، مع آليات شفافة للرقابة على الأموال.

تاسعاً: حماية الاقتصاد والأمن الغذائي
إعطاء الأولوية للحبوب والوقود والأدوية، وتأمين طرق الإمداد، ودعم الإنتاج المحلي، ومكافحة التهريب والمضاربة، وتوجيه الموارد العامة نحو السلع والخدمات الأساسية.

عاشراً: إعداد خطة وطنية مبكرة لإعادة الإعمار
لا ينبغي انتظار انتهاء الحرب بالكامل للبدء في التخطيط، بل يجب من الآن إعداد خريطة وطنية للأضرار والأولويات تشمل البنية التحتية والمياه والطاقة والزراعة والصحة والتعليم والنقل، حتى تبدأ عملية التعافي فور توفر الظروف الأمنية.
خارطة طريق مختصرة
المرحلة الأولى: حماية الدولة
حماية المنشآت الحيوية، تأمين الغذاء والدواء، منع انهيار الخدمات وتوثيق الانتهاكات.
المرحلة الثانية: إنهاء الحرب
وقف إطلاق النار، توحيد جهود الوساطة، معالجة مصادر السلاح والتمويل، وبدء الحوار السوداني.
المرحلة الثالثة: بناء السلام
إعادة بناء المؤسسات، إصلاح الاقتصاد، إعادة الإعمار، معالجة آثار الحرب وإطلاق عملية سياسية ودستورية تحدد مستقبل السودان.

كلمة أخيرة
السودان أمام مرحلة لا تحتمل استمرار إدارة الأزمة بالطريقة القديمة.
المطلوب ليس اختيار محور دولي على حساب محور آخر، ولا استبدال وصاية خارجية بأخرى، وإنما بناء شبكة علاقات متوازنة تخدم المصلحة الوطنية السودانية.
فالسودان يستطيع الاستفادة من مصر، والسعودية، وروسيا، واليابان، وماليزيا، وإسبانيا، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد والمجتمع الدولي، دون أن يتخلى عن استقلال قراره.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي:
كل دعم خارجي يعزز وحدة السودان ومؤسساته وسلامه يمكن أن يكون رافدًا لإعادة البناء، وكل تدخل يضعف الدولة أو يطيل الحرب أو يهدد سيادتها ينبغي أن يخضع للرفض السياسي والقانوني والرقابة الوطنية.
إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط استعادة المدن، وإنما استعادة الدولة لقدرتها على حماية المواطن وإدارة مواردها وتشغيل مؤسساتها وصناعة قرارها بنفسها.
ومن هنا تبدأ عملية الإنقاذ:
حماية المنشآت، توحيد الدبلوماسية، وقف الحرب، حماية الاقتصاد، إطلاق الحوار ثم إعادة البناء.
فالدولة لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بمؤسسات تعمل، واقتصاد يصمد، وجيش وطني، وحوار سياسي، وعلاقات خارجية متوازنة وإرادة سودانية مستقلة.
وهذه هي الخطوة العملية الأولى نحو الخروج من الحرب دون أن يخسر السودان دولته.

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان.. ما هو مشكِل؟ وما هو مكتشَف؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *