أحيانًا لا تحتاج إلى تغيير الواقع حتى تتحكم فيه، يكفي أن تغيّر الطريقة التي يرى بها الناس الواقع.
من الأفكار التي تستوقف القراء في بعض كتب علم النفس تلك الفكرة المقلقة: هل العلم الذي يفسّر الإنسان محايد تمامًا، أم أن بعض أدواته ومفاهيمه قد تشارك ،بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان نفسه؟
بعيدًا عن الكتب وعن الجدل الذي يحيط بها، قريباً من الفكرة التي تستحق أن نخرج بها إلى الشارع السوداني لطرح سؤال: هل نحن أمام مشكلات في السودان فقط، أم أمام طريقة تشكلت بها رؤيتنا لهذه المشكلات؟
في مقال «الفوضى الوظيفية» حاولنا النظر إلى الفوضى باعتبارها أكثر من مجرد غياب للنظام.
وفي مقال الأمس سألنا: ماذا يحدث حين نطارد الأزمة ونترك مسارها؟
واليوم نذهب خطوة إلى الخلف، وربما خطوة إلى العمق، من الذي سمّى المشكلة مشكلة؟
●فحين نرى ارتفاع الأسعار، نرى مشكلة.
●وحين تنهار الخدمات، نرى مشكلة.
●وحين تتعطل المؤسسات، نرى مشكلة.
●وحين تستمر الحرب، نرى المشكلة الكبرى.
لكن هل ما نراه هو المشكلة فعلا؟ أم أن بعضه مجرد مكتشَف ظهر عندما أزاحت الأزمة الغطاء عن واقع كان موجودًا قبلها؟
● الحرب لم تصنع كل هشاشة مؤسساتنا.
● ولم تخلق كل ضعف في نظمنا.
● ولم تبتكر كل أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسة.
● ولم تخترع الاقتصاد الموازي، ولا الحلول الفردية، ولا الاعتماد على العلاقات بدل الإجراءات.
الحرب كشفت أكثر من ذلك، وهنا تكمن المفارقة: ما نعتقد أنه جديد قد يكون قديمًا، وما نعتقد أنه مشكلة قد يكون عرضًا، وما نعتقد أنه استثناء قد يكون نظامًا يعمل في الظل.
وهذه ليست مسألة لغوية او تلاعب بالكلمات… أبداً !! إنها مسألة استراتيجية، لأن الدولة التي تخطئ في تعريف مشكلتها يمكن أن تنفق موارد ضخمة في علاج شيء ليس هو المرض:
●قد تعالج ارتفاع الأسعار ولا تعالج سلسلة الإمداد.
●وقد تعيد الموظف إلى مكتبه ولا تعيد بناء المؤسسة.
●وقد تطلق حملة إعلامية ولا تعالج أزمة الثقة.
●وقد تعيد بناء مبنى حكومي، بينما المشكلة الحقيقية في النظام الذي كان يديره. وهنا تصبح الأزمة مدرسة قاسية.
لقد كشفت الحرب ،بل أكدت من جديد، أن المجتمع السوداني قادر على إنتاج حلول في أصعب الظروف واكتشفنا شبكات تكافل، ومبادرات، وأسواقًا، وطرقًا جديدة للتواصل والبقاء، لكننا اكتشفنا أيضًا أن الحل المؤقت يمكن أن يتحول إلى عادة، والعادة إلى ثقافة والثقافة إلى مؤسسة غير معلنة.
وهنا يجب أن ننتبه ، ليس كل ما نجح أثناء الأزمة يصلح أن يكون نموذجًا لما بعدها ، كما أن ليس كل ما فشل قبل الحرب يجب أن نعيده لمجرد أنه كان مألوفًا.
وهنا تحديدًا تلتقي الفكرة مع رؤية الجسر والمورد:
● فنحن لا ننظر إلى الأزمة باعتبارها جبلًا من الخسائر فقط.
● نبحث داخلها عن المعرفة التي أنتجتها.
● الأزمة كشفت لنا أين تتعطل الدولة.
● وكشفت أين يستطيع المجتمع أن يتحرك.
● كشفت أين تفشل المعلومة.
● وأين تنجح المبادرة.
● كشفت أين يوجد الفراغ.
● ومن يملؤه وهذه ليست سوى تفاصيل عابرة.
إنها خريطة استراتيجية لسودان ما بعد الحرب.
لكن الخطر أن نخرج من الحرب بالخرائط القديمة نفسها. أن نعيد تعريف المشكلات بالطريقة نفسها، ونستخدم الأدوات نفسها، ثم نتوقع مستقبلًا مختلفًا.
#أصل_القضية…
ربما يحتاج السودان إلى شيء أسبق من إعادة الإعمار ألا وهو: إعادة النظر.
أن نسأل قبل أن نضع الحل:
● ما المشكلة فعلًا؟
● ومن قال إنها المشكلة؟
●وما الذي اكتشفناه فقط لأن الأزمة أجبرتنا على رؤيته؟
●وما الذي يجب أن نتخلص منه بدل أن نعيد بناءه؟
فالمستقبل لا يُبنى فقط مما نملك، أحيانًا يُبنى مما اكتشفنا أننا لم نعد بحاجة إليه.
وهنا تصبح الأزمة أكثر من كارثة تصبح اختبارًا لقدرتنا على رؤية أنفسنا بدون الأقنعة القديمة والتصنيفات التي اعتدنا أن نرى بها أنفسنا. هنا «المشكِل» يحتاج إلى علاج، أما «المكتشَف» فيحتاج إلى فهم.
وما نكتشف أنه كان جزءًا من طريقة تفكيرنا يحتاج إلى إعادة تشكيل، وربما تكون هذه هي نقطة البداية الحقيقية ليس أن نسأل فقط: كيف نعيد السودان؟ بل: أي سودان نريد أن نعيد؟
وهنا بالضبط #أصل_القضية.


