Popular Now

ابن المقفع يكتب … في ضيق معاش الرعية د.محمد حسن فضل الله

عودة المحكمة الدستورية في السودان.. خطوة نحو دولة سودانية عادلة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

قراءات في أحوال الجنوب الليبي .. إقليم فزان بين مطرقة حفتر وسندان دولة الإمارات (4) .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الإستراتيجية

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (31) السودان بين مجريات الحرب اليومية والتحولات الإقليمية… مصر والسعودية والحوثيون وهل يتسع تحالف مكة؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

أولاً: مجريات الحرب السودانية… السافنا والعطا وتطورات الميدان
تتواصل الحرب السودانية وسط تطورات عسكرية وسياسية متداخلة، في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية الرامية إلى فرض هدنة إنسانية، بينما لا تزال الحسابات الميدانية تفرض نفسها على فرص التسوية.
وفي تطور لافت، أعلن العميد علي رزق الله، المعروف بـ«السافنا»، أنه ظل على اتصال بالقوات المسلحة السودانية خلال وجوده في صفوف قوات الدعم السريع، وتحدث عن دور استخباري قال إنه أسهم في استدراج قوات إلى منطقة بارا، كما أعلن إدخال أسلحة لصالح الجيش. وتمثل هذه الرواية، إذا دعمتها معلومات مستقلة، مؤشراً على أهمية الاختراقات الاستخبارية داخل التشكيلات المسلحة، لكنها تظل في حدود التصريحات المنقولة عنه، ولا تكفي وحدها لتحديد حجم تأثيرها العسكري. كما أعاد حديثه عن الترتيبات الأمنية وتوحيد القوات المسلحة قضية بناء جيش وطني واحد إلى صدارة النقاش بشأن مستقبل الدولة السودانية.
وفي السياق ذاته، عاد الفريق أول ركن ياسر العطا إلى الواجهة بتصريحات أكد فيها استمرار العمليات العسكرية، مشيراً إلى اقتراب القوات المسلحة من منطقة أم دافوق بولاية جنوب دارفور. وتعكس هذه التصريحات تمسك القيادة العسكرية بخيار مواصلة العمليات، لكن تقدير التحولات الميدانية يظل مرتبطاً بما يتحقق فعلياً على الأرض، لا بالتصريحات وحدها.
وتكشف هذه التطورات أن مسار الحرب لا يتحدد فقط بحركة القوات والسيطرة على المدن، بل كذلك بالمعلومات والاستخبارات والتحالفات المحلية والترتيبات الأمنية التي ستحدد شكل المؤسسة العسكرية بعد توقف القتال. وفي المقابل، فإن استمرار العمليات يرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية، ويجعل أي هدنة محتملة بحاجة إلى ضمانات عملية تمنع تحولها إلى مجرد استراحة بين جولات القتال.

ثانياً: واشنطن والهدنة الإنسانية… بين وقف المعاناة وحسابات التسوية
تتواصل التحركات الأمريكية بشأن السودان، مع دعوة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، إلى هدنة إنسانية فورية تتيح وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، في ظل المخاوف من اتساع انعدام الأمن الغذائي وتهديد ملايين السودانيين بالمجاعة. وفي المقابل، جددت مصر رفضها تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية للمؤسسات الوطنية، مؤكدة ضرورة وقف التدخلات الخارجية وتدفقات السلاح والمقاتلين.
وتتقاطع هذه المواقف عند الحاجة إلى وقف القتال وتخفيف المعاناة، لكنها لا تعني بالضرورة تطابق الرؤى بشأن مستقبل السلطة والترتيبات الأمنية. فالهدنة الإنسانية قد تفتح نافذة لإيصال الغذاء والدواء وإجلاء المدنيين، غير أن استدامتها تحتاج إلى آليات مراقبة واضحة، والتزام الأطراف، ومعالجة الخلاف حول مناطق السيطرة والقوات المسلحة والترتيبات السياسية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن التحدي يتمثل في منع تحول المسار الإنساني إلى مسار سياسي يفرض وقائع جديدة على الأرض دون توافق سوداني واسع. كما أن رفض التقسيم لا يكتمل بالتصريحات، بل يتطلب الحفاظ على المؤسسات الوطنية، وتوسيع المشاركة السياسية، ووقف تدفقات السلاح، وضمان ألا تصبح الهدنة وسيلة لإعادة ترتيب الصراع بدلاً من إنهائه.

ثالثاً: البرهان والحوار السوداني–السوداني… اختبار الثقة السياسية
أعاد قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بشأن البلاغات المرتبطة بالآراء والمواقف السياسية للسودانيين المقيمين بالخارج، ملف الحوار السوداني–السوداني إلى دائرة الاهتمام. ويتيح القرار، وفق ما نشرته وسائل إعلام سودانية، ضمانات إجرائية للمشاركين العائدين للمشاركة في الحوار، مع ضرورة التمييز بين الحصانة الإجرائية المؤقتة والعفو القانوني الشامل.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها قد تساعد على إزالة أحد العوائق أمام مشاركة شخصيات سياسية موجودة خارج البلاد، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج حوار جامع. فنجاح الحوار يتوقف على الثقة في الضمانات، ووضوح قواعد المشاركة، وحرية طرح الآراء، وعدم استخدام الإجراءات القانونية أداةً لإقصاء الخصوم.
كما أن استمرار الحرب يفرض سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن بناء توافق سياسي مستدام بينما لا تزال العمليات العسكرية مستمرة، والنازحون واللاجئون يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية؟ لذلك، فإن الحوار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن حماية المدنيين أو معالجة الأزمة الإنسانية، بل مساراً موازياً يساعد على بناء توافق بشأن وقف الحرب واستعادة مؤسسات الدولة.

رابعاً: مصر وإثيوبيا… السودان في قلب التنافس الإقليمي
تزداد حساسية المشهد الإقليمي مع انتقال التباينات المصرية الإثيوبية بشأن السودان إلى تصريحات علنية في مجلس الأمن. فقد تبادل ممثلو الدولتين إشارات واتهامات تتصل بالتدخلات الخارجية والطائرات المسيّرة وتدفقات السلاح، بينما اتهم ممثل السودان إثيوبيا بإسقاط أو تشغيل طائرة مسيّرة داخل الأراضي السودانية في واقعة سابقة، وهي اتهامات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة من دون أدلة مستقلة وبيانات رسمية متكاملة.
وترتبط هذه التوترات بخلافات أوسع تشمل سد النهضة، وأمن الحدود، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن طموحات إثيوبيا المتعلقة بالوصول إلى منفذ بحري. ومن هنا، يمكن أن تتحول الحرب السودانية إلى ساحة إضافية للتنافس بين القاهرة وأديس أبابا، إذا استمر توظيف الاتهامات المتبادلة في حسابات الأمن القومي لكل منهما.
وتبرز خطورة هذا المسار في أن السودان، بدلاً من أن يكون طرفاً مستقلاً في معالجة أزمته، قد يتحول إلى مساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ويزيد ذلك من تعقيد الحرب، ويضعف فرص التسوية، ويهدد أمن الحدود وممرات التجارة ومصالح المجتمعات المحلية.
أما مصر، فتربط أمن السودان باستقرارها القومي، وتعلن دعمها لوحدة أراضيه ومؤسساته. وفي المقابل، تثير التطورات الإقليمية مخاوف من اتساع دائرة المواجهة إذا انتقلت الخلافات من التنافس السياسي والدبلوماسي إلى تحركات عسكرية مباشرة. وتبقى الأولوية للسودان هي منع تدويل الحرب بصورة أوسع، وصون استقلال قراره الوطني، ورفض أي تدخل يطيل أمد الصراع أو يهدد وحدة أراضيه.

خامساً: مصر والسعودية والحوثيون… جبهة جديدة تتجاوز حدود اليمن
دخلت الأزمة الإقليمية مرحلة أكثر حساسية بعد إعلان مصر استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، في وقت تصاعدت فيه الهجمات على منشآت ومرافق سعودية، وسط اتساع المواجهة المرتبطة بالحرب على إيران. وأعلن مجلس الأمن القومي المصري وقوف القاهرة إلى جانب الرياض في حماية أمنها وسلامة أراضيها، مع تأكيد المسار الدبلوماسي لخفض التصعيد.
وتحمل هذه الخطوة أبعاداً تتجاوز العلاقة الثنائية بين القاهرة والرياض. فمصر ترتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، بينما تمثل السعودية مركزاً اقتصادياً وأمنياً رئيسياً في الخليج. وأي تصعيد طويل في البحر الأحمر أو حول منشآت الطاقة والموانئ قد ينعكس على التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن الأمن الغذائي في الدول التي تعتمد على الاستيراد.
وفي الوقت ذاته، فإن انخراط مصر عسكرياً، إن حدث، سيظل مرتبطاً بطبيعة المهمة وحدودها والقرارات السياسية والقانونية ذات الصلة. فالدعم الدفاعي لا يعني بالضرورة المشاركة في حرب مفتوحة، كما أن إعلان التضامن السياسي لا يحدد وحده حجم المشاركة العسكرية أو مداها.
وتتصل هذه التطورات مباشرة بالسودان؛ إذ إن أي اضطراب في البحر الأحمر وباب المندب يهدد طرق التجارة والإمداد، ويزيد الضغوط على اقتصادات المنطقة، ويضاعف التحديات أمام إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي السوداني. ومن ثم، فإن السودان من بين الدول الأكثر تعرضاً للآثار غير المباشرة لأي توسع إقليمي للصراع، بسبب هشاشة اقتصاده واستمرار الحرب وتعطل قطاعات واسعة من الإنتاج.

سادساً: من المستفيد من التصعيد؟ إسرائيل والإمارات وإثيوبيا في حسابات الإقليم
تطرح التحولات الراهنة سؤالاً مشروعاً حول الأطراف التي قد تستفيد من انشغال الدول العربية والإقليمية بصراعات متعددة. فحين تتصاعد المواجهة حول السعودية واليمن، وتزداد التوترات بين مصر وإثيوبيا، ويستمر القتال في السودان، تتوزع الموارد العسكرية والسياسية والدبلوماسية على أكثر من جبهة، وتتراجع مساحة التركيز على تسويات الأزمات المتداخلة.
ومن هذا المنظور، يمكن طرح فرضية أن استمرار الانقسامات والصراعات الإقليمية قد يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك في بيئة استراتيجية منشغلة، كما قد يتيح لبعض القوى الإقليمية توسيع نفوذها أو تحسين مواقعها التفاوضية. لكن تحديد المستفيد الفعلي يتطلب النظر إلى المصالح والنتائج الملموسة، ولا يصح الجزم بأن إسرائيل أو الإمارات أو إثيوبيا تمثل كتلة واحدة أو أنها جميعاً تحقق المكاسب ذاتها من كل تطور.
فالإمارات لها حساباتها ومصالحها في البحر الأحمر، والقرن الأفريقي وإثيوبيا تنظر إلى أمنها الحدودي، وسد النهضة ومسألة الوصول إلى البحر، بينما تتحرك إسرائيل وفق حساباتها الأمنية والإقليمية الخاصة. وقد تتقاطع مصالح بعض هذه الأطراف في ملف، وتتعارض في ملفات أخرى؛ لذلك لا تكفي المصادفة الزمنية أو تزامن الأحداث لإثبات وجود تنسيق موحد بينها.
أما السودان، فتظهر خسائره بصورة مباشرة: استمرار الحرب، وتضرر البنية التحتية، وتراجع الإنتاج، واتساع النزوح، وتآكل الثقة بين المكونات السياسية، وارتفاع احتمالات تحوّل الأزمة الداخلية إلى ساحة تنافس خارجي. ولهذا فإن حماية السودان لا تتطلب فقط متابعة ما يجري على جبهات القتال، بل أيضاً تقليل فرص استخدام أراضيه ومؤسساته وموارده في صراعات إقليمية أوسع.

سابعاً: تحالف مكة… هل تقترب مصر؟ وماذا لو انضمت إيران؟
يشهد تحالف مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تطوراً مؤسسياً، بعد اتفاق الدول الثلاث على الانتقال إلى تنفيذ التزامات الدفاع المشترك واتخاذ إجراءات لتوفير القوات والقدرات المتفق عليها. وقد ظهر التحالف في سياق المخاوف الأمنية المتصاعدة التي تواجه السعودية، وأصبحت إمكانية انضمام دول أخرى أو توسيع إطار التعاون موضع نقاش إقليمي.
وفي هذا السياق، تبدو مصر معنية مباشرة بالتطورات بحكم علاقتها بالسعودية وأمن البحر الأحمر، لكن استعداد القاهرة لدعم الرياض لا يعني تلقائياً انضمامها إلى تحالف مكة. فالانضمام قرار سياسي واستراتيجي مستقل، تحكمه طبيعة الالتزامات الدفاعية، ومدى توافقها مع أولويات الأمن القومي المصري، والعلاقات المصرية مع بقية الأطراف الإقليمية والدولية.
أما احتمال انضمام إيران، فيفتح نقاشاً أكثر تعقيداً. فقد تناولت تصريحات تركية سابقة إمكان توسيع الاتفاق ليشمل دولاً إسلامية أخرى، ومن بينها إيران، لكن ذلك لا يعني أن عضويتها أصبحت مقررة أو أن هناك اتفاقاً نهائياً بشأنها.
وإذا تحولت الفكرة إلى مسار عملي، فإن انضمام إيران سيغيّر طبيعة التحالف، وينقل بعضه من إطار دفاعي بين دول تربطها مصالح متقاربة إلى صيغة أوسع تضم أطرافاً بينها خلافات استراتيجية عميقة. وقد يفتح ذلك مجالاً لتعاون إقليمي جديد، لكنه قد يثير أيضاً أسئلة صعبة حول الالتزامات المتبادلة، وتفسير التهديدات، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
ومن هنا، فإن الحديث عن أن انضمام إيران سيؤدي حتماً إلى نهاية الهيمنة الأمريكية والغربية يظل استنتاجاً سابقاً لأوانه. فإعادة تشكيل النظام الدولي لا ترتبط بتأسيس تحالف واحد، بل بتراكم تحولات في الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتسليح والتجارة والتحالفات السياسية. ومع ذلك، فإن قيام ترتيبات دفاعية إقليمية أوسع، إذا اكتسبت قدرة عملية واستقلالاً في القرار، قد يسهم في إعادة توزيع بعض مراكز القوة وتقليص احتكار القوى الكبرى لأدوات التأثير في أزمات المنطقة.
وبالنسبة إلى السودان، فإن أهمية تحالف مكة لا تقاس فقط بحجمه أو أعضائه المحتملين، بل بمدى قدرته على دعم استقرار البحر الأحمر، واحترام سيادة الدول، والمساهمة في وقف تدفقات السلاح، وتهيئة بيئة إقليمية تساعد على إنهاء الحرب السودانية، بدلاً من جر البلاد إلى اصطفافات جديدة.

ثامناً: السودان بين تعدد الجبهات وفرص السلام
تكشف تطورات 19 أكتوبر 2026 أن الحرب السودانية لم تعد قضية داخلية منفصلة عن محيطها؛ فهي تتأثر بالتنافس المصري الإثيوبي، والتحركات الأمريكية، ومواقف السعودية ومصر، والتصعيد الحوثي، ومستقبل التحالفات الدفاعية في المنطقة. وفي المقابل، فإن كل اتساع في الصراع الإقليمي يرفع الكلفة على السودان، الذي يحتاج إلى استعادة الإنتاج، وإيصال المساعدات، وحماية المدنيين، وإعادة بناء المؤسسات.
ولا يزال المسار الدبلوماسي يحمل فرصاً لخفض التصعيد، خاصة مع الدعوات إلى هدنة إنسانية، والحديث عن الحوار السوداني–السوداني، ورفض تقسيم البلاد. غير أن هذه الفرص ستظل محدودة ما لم تتحول إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، تشمل وقفاً فعلياً للقتال، وضمان وصول المساعدات، وحماية المدنيين، ومعالجة قضية القوات المسلحة والترتيبات الأمنية، وفتح المجال أمام حوار سياسي لا يستبعد المكونات السودانية على أساس مواقفها وحدها.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل تقترب المنطقة من تحالفات جديدة؟ بل: هل تستطيع هذه التحالفات منع تمدد الحرب، أم أنها ستصبح جزءاً من توازنات الصراع؟ فالتكتلات العسكرية قد توفر الردع لأعضائها، لكنها لا تنتج السلام تلقائياً، وقد يؤدي غموض أهدافها أو اتساع الالتزامات إلى مزيد من الاستقطاب.
التقدير الاستراتيجي الموحد والنهائي
تشير التطورات الراهنة إلى أن السودان يقف أمام تداخل متزايد بين مسار الحرب الداخلي والتحولات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي والخليج. فالتطورات العسكرية المرتبطة بالسافنا والعطا تعكس استمرار الرهان على الحسم الميداني، بينما تمثل الدعوات الأمريكية إلى هدنة إنسانية وقرار تسهيل مشاركة السودانيين بالخارج في الحوار فرصاً سياسية لا تزال بحاجة إلى ضمانات عملية وثقة متبادلة.
وفي المحيط الإقليمي، قد يؤدي التقارب الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، واحتمال توسع التعاون مع دول أخرى، إلى إعادة ترتيب بعض العلاقات الأمنية، لكنه لا يعني وحده انهيار النفوذ الأمريكي أو الغربي. كما أن استعداد مصر لدعم السعودية لا يثبت انضمامها إلى تحالف مكة، ولا يثبت أن أطرافاً إقليمية بعينها تتقاسم خطة واحدة بشأن السودان أو البحر الأحمر.
أما السودان، فهو الأكثر حاجة إلى منع تحوله إلى ساحة لتنافس القوى. ويظل الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، ووقف التدخلات التي تطيل الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة الإنتاج، وفتح حوار سوداني–سوداني جاد، شروطاً مترابطة لأي تسوية مستدامة. وتبقى الهدنة الإنسانية خطوة ضرورية، لكنها لا تصبح طريقاً إلى السلام إلا إذا اقترنت بوقف قابل للتحقق للقتال، وترتيبات أمنية واضحة، ومسار سياسي يحفظ للسودانيين حقهم في تقرير مستقبل دولتهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
الخلاصة: قد تتغير موازين القوة في المنطقة بفعل الحرب والتحالفات الجديدة، لكن مستقبل السودان لن تحسمه التحالفات وحدها؛ بل قدرة السودانيين على حماية الدولة، وتوحيد مؤسساتها، وتقليل التدخلات الخارجية، وتحويل المساعي الدبلوماسية إلى سلام قابل للاستمرار.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6327 | التحرك الأمريكي مؤخراً لبناء علاقة استثمارية بين السودان وأمريكا يحتاج إلى تحرك حكومي فوري وفاعل !!!!

المقالة التالية

وجه الحقيقة | السودان.. أمن ما بعد الصدمة .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *