Popular Now

السودان بين انتصارات الميدان وتحولات السياسة لحظة استعادة الدولة وصناعة السلام .. مستشار هشام محمود سليمان

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6329 | هل هي بشارة للشعب السوداني بقرب تحقيق السلام أم أنها تكرار لوعود لا تنفذ؟

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها (32) السودان بين ضربات نيالا ومسيّرات الخرطوم… تصعيد عسكري واستنزاف للدولة وثرواتها .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

السودان بين انتصارات الميدان وتحولات السياسة لحظة استعادة الدولة وصناعة السلام .. مستشار هشام محمود سليمان

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع على المدن، والطرق ومواقع الانتشار، بل أصبحت معركة لتحديد مستقبل الدولة السودانية، وطبيعة السلطة التي ستديرها وحدود التدخل الخارجي في تقرير مصيرها.
وفي هذه اللحظة المفصلية تتداخل التطورات العسكرية مع التحولات الدبلوماسية لتضع السودان أمام فرصة تاريخية ينبغي ألا تضيع بين حسابات الحرب ومساومات السياسة.

أولاً: الميدان يفرض معادلات جديدة

تكشف التطورات العسكرية الأخيرة وفي مقدمتها الضربات التي استهدفت مواقع للدعم السريع في نيالا عن أهمية الانتقال من مجرد السيطرة الجغرافية إلى استهداف مراكز القيادة و الإمداد والقدرة على إدارة العمليات، فالمعركة تقا بمدى قدرته على الاحتفاظ بمواقعه وتأمين خطوط إمداده والحفاظ على تماسك قواته وهذا ما يبدو أنه أصبح من الصعوبة بمكان في ظل سيطرة سلاح الجو السوداني.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع الأنباء المتداولة بشأن انتقال قيادات من المليشيا إلى زالنجي وما يثار حول الانشقاقات والتصدعات داخل صفوفها، وإذا تأكدت هذه المؤشرات فإنها قد تعكس أزمة ثقة داخلية وضغوطاً متزايدة على منظومة القيادة والسيطرة، غير أن الحسم العسكري لا يستنتج من واقعة منفردة، بل من تراكم نتائج ميدانية واضحة ومستمرة.
إن استعادة الدولة لفاعليتها تظل الهدف الأكبر، فالمكاسب العسكرية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تضع حدّاً لظاهرة السلاح الموازي وتفتح الطريق أمام سلطة وطنية موحدة.

ثانيا واشنطن وإعادة حسابات الأزمة السودانية

في المقابل تبدو السياسة الأمريكية أمام اختبار معقد، فسياسة الضغط الدبلوماسي، ومقترحات الهدنة والتحركات الرامية إلى دفع الأطراف نحو تسوية سياسية تتزامن مع استمرار التواصل مع قيادة الدولة السودانية، وهذا التداخل يوحي بأن واشنطن لا تستطيع التعامل مع الأزمة السودانية بمعزل عن موازين القوة على الأرض أو عن المخاطر التي قد تترتب على استمرار تفكك مؤسسات الدولة، لكن المرونة السياسية لا تعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً كاملاً في الموقف الأمريكي، إذ ينبغي الحكم على ذلك من خلال المواقف العملية، ومدى احترام سيادة السودان والتعامل مع مخاوف السودانيين بشأن وحدة بلادهم ومستقبل مؤسساتهم.
والسؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كانت واشنطن ستغير خطابها فحسب، بل ما إذا كانت ستدعم تسوية تعالج جذور الأزمة، أم ستكتفي بترتيبات مؤقتة توقف إطلاق النار من دون إنهاء أسباب الحرب.

ثالثاً: الحوار السوداني السوداني هو مفتاح الحل

إن السودان لا يحتاج إلى تسوية تصاغ خارج حدوده ثم تقدم إلى شعبه باعتبارها أمراً واقعاً، وإنما يحتاج إلى حوار وطني مستقل يشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم السياسية والاجتماعية، وتكون مرجعيته وحدة البلاد وسيادتها ومصالح شعبها، وهذا ما لم تستوعبه دول الإقليم، وواشنطن وحركة صمود. ولا يعني الحوار الوطني تجاهل المسؤوليات عن الحرب أو التسوية بين الدولة والمليشيا على حساب مستقبلها، بل يعني بناء توافق حول شكل الدولة، ومستقبل الحكم، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان الانتقال السياسي، وإخضاع السلاح لسلطة وطنية واحدة مع ترسيخ العدالة وسيادة القانون.

إن السلام الحقيقي لا يقوم على تجميد الصراع أو توزيع النفوذ بين مراكز القوة، وإنما على إنهاء الأسباب التي جعلت السلاح بديلاً عن السياسة وجعلت التدخلات الخارجية جزءاً من معادلة الداخل السوداني.

وفي النهاية، السودان أمام لحظة تتطلب الجمع بين قوة الميدان وحكمة السياسة واستقلال القرار الوطني، فالتقدم العسكري مهما بلغت أهميته لا يكفي وحده لبناء وطن مستقر، والمرونة الدبلوماسية مهما اتسعت لن تنتج سلاماً ما لم تستند إلى إرادة سودانية حرة.

إن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة واضحة: جيش يحمي الدولة، ومؤسسات وطنية تستعيد فاعليتها، وحوار سوداني-سوداني يرسم المستقبل وسلام لا ينتقص من السيادة ولا يشرعن تعدد الجيوش، فانتصار السودان الحقيقي ليس أن تنتهي الحرب فحسب، بل أن تنتهي معها الأسباب التي هددت وجود الدولة وأن يستعيد السودانيون حقهم في تقرير مصيرهم وصناعة مستقبلهم بأيديهم.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6329 | هل هي بشارة للشعب السوداني بقرب تحقيق السلام أم أنها تكرار لوعود لا تنفذ؟

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *