1️⃣ هناك حكمة إفريقية قديمة تعود لقبيلة “Khassonké” القاطنة في أقصى الغرب الأفريقي تقول “إن الله لا يناقض نفسه أبداً ”
2️⃣ قرأت تعليق حضرتك المنشور في صحيفة القدس العربي حول ما جاء في مقالي السابق الذي حمل عنوان (المؤسسة العسكرية السودانية “عندما يتحول الحسم لرأسمال إستراتيجي”) ، وسعدت بطلبك بضرورة استدعاء المحاججة والمناقشة حول ما طرحت في ذلك المقال من أفكار، خاصة أنني لمست من حديثك شيء من الانتقاد الإيجابي حول عدم تطرقي وامتناعي عن الحديث حول ما ينبغي أن تكون عليه طبيعة الحكم في سودان المستقبل وإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع، ويسرني أن أجيبك على كافة تساؤلاتك، ولكن قبل ذلك أريدك أن تتعرف على حقيقة موقفي من الملف السوداني فلعلك قرأت لي ولكنك قطعاً لم تقرأ عني.
3️⃣ لا أعلم إن كان ذلك حسن حظ أم هي صدفة الأقدار التي منحتني رؤية السودان من الداخل، بجماله الذي استشعرته، وتناقضاته التي ألهمتني، واضطراب هويته التي ما إن حاولت أن أفهمها في أرضه إلا وتجاذبتني روايات التاريخ وأوقعتني أسيرة ما بين حيرة الرواة وإقدام السياسيين، ولا أنكر أن ولادتي الفكرية في أرض المقرن خرجت من رحم ذلك كله، فاستأثرت بي رؤية خاصة عبرت عن نفسها في شخصي وفيما أقوله وأكتبه، فلقد شاء القدر أن أكون حاضرة في الميدان السوداني الداخلي لمدة عقد كامل ونيف (٢٠٠٩-٢٠١٩) شهدتُ فيه عياناً أدق التغيرات والانعطافات التي عصفت بالمشهد السياسي السوداني، بدءاً من انفصال الجنوب إلى ثورة ديسمبر ٢٠١٩، ولك أن تتخيل ما تخلل تلك الفترة من أحداث مفصلية كان لها ما لها من وقع خاص لامست فيه كيان الدولة السودانية قبل وجدانها الشعبي، حقائق لا أستطيع تجميلها كسباً لجمهور ولا تقبيحها إرضاءاً لآخر، ولا أملك اليوم القدرة على تجاوز تلك المعرفة العلمية التي اكتسبتها في ميدان السياسة السودانية الذي ورغم تعقيداته التي فاقت في كثير من الأحيان قدراتي العقلية على استيعابه، ولكنني لا أنكر أنني حظيتُ في ظله بصقلنة فكرية أثبتت لي تجربتي الميدانية في الملف الأفريقي أنها صحيحة.
4️⃣ أما ردي حول انتقادك الإيجابي لي حول امتناعي وعدم تطرقي للحديث حول ما ينبغي أن تكون عليه طبيعة الحكم في سودان المستقبل وإعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع، فأولاً وقبل كل شيء، لا يحق لي ولا يحق لأي شخص كائناً من كان، ولا لأي طرف إقليمي أو دولي الإدلاء بدلوه فيما يتعلق بنوع الحكم وشكل النظام السياسي في سودان المستقبل، فهذا شأن خاص يتوافق ويتجادل فيه أبناء المقرن، هم وحدهم من لهم الحق في الحديث عن ذلك، ويجب العمل على إخراس كافة الألسنة وإن لزم الأمر إلى قطعها لو حاولت الخوض في ذلك الملف، وثانياً فأقولها لك بكل صراحة أنه بعد سقوط نظام الإنقاذ كنتُ أنا من أبرز الداعمين للخط المدني الذي تبنته المكونات المدنية السودانية بقيادة السيد “محمد ناجي الأصم”، وبعد تولي الدكتور “عبد الله حمدوك” رئاسة الوزراء سعدتُ شخصياً لتوليه رئاسة الوزراء ودعمتُ تلك الخطوة بدليل مشاركتي بورقة علمية في أحد مراكز الفكر الأفريقية منشورة في مارس ٢٠٢١ بعنوان “التشكيل الوزاري السوداني ماذا ينتظره؟!” ( يوجد رابط المشاركة في الصفحة الأخيرة تستطيع الإطلاع عليها للتأكد من صحة ما أقول)، ولكن مع أحداث ١٥ أبريل ٢٠٢٣ بدأت أقرء المشهد السوداني بعين مختلفة خاصة مع تكالب الأطراف الدولية لإسقاط الدولة السودانية، والغريب أن هذه الأطراف حتى عهد قريب كانت هي الداعم الأول لإجهاض أول حكم مدني في مصر، والأكثر غرابة بل وما يثير السخرية أن ذات الأطراف تنادي اليوم بضرورة فرض حكم مدني في السودان !! (هل رأيت وقاحة أكثر من ذلك؟!)
5️⃣ وبعد مرور سبعة أشهر على تمرد مليشيات الدعم السريع على الدولة الوطنية السودانية، أدركتُ كما أدرك العالم أجمع كيف قامت تلك الأطراف بالتنسيق والترتيب لغزو الدولة السودانية من الداخل، وكيف تم التخطيط لذلك ظناً منهم أن الظروف الدولية التي سمحت لهم بغزو العراق عام ٢٠٠٣ ما زالت سانحة لإعادة تكرارها في السودان، وحينها توقفت كثيراً أمام موقف الدكتور حمدوك، فقبوله بالعودة للمشهد السياسي بعد الانقلاب عليه وقبوله التعاون مع مليشيات خارجه عن القانون، وأن يكون ذراعاً مدنياً لها، ما هو إلا دليل على قبوله لدور محدداً مطلوباً منه سرعان ما سينتهي وهذا برأيي ما ساهم في خسارته أمام قطاع كبير من الشعب السوداني.
6️⃣ رغم تمنياتي للسودان بحكم مدني حقيقي رشيد، ودعم التوجهات والمبادىء التي نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة بتحقيق مدنية الدولة السودانية، إلا إنني أرى أن التوقيت الدقيق الذي يمر به السودان اليوم لن يدعم هذا الاتجاه، خاصة مع تعدد الأطراف الإقليمية والدولية الساعية إلى إسقاط الدولة السودانية من الداخل، فهذه الأطراف رغم محاولتها المستميتة لاستمالة الشعب السوداني بدعمها بضرورة فرض حكم مدني في السودان “ستكون هي أول من يسقطه لو جاء بإرادة شعبية حقيقية” ، إلا إنها في الحقيقة تسعى لحكم مدني يأتي عبر بوابتها “حكم مدني مستورد” تحكم وتسيطر على السودان من خلاله بعد فشل الرهان على مليشيا الدعم السريع في تولي مقاليد الحكم في البلاد، وفي ظل هذا الوضع غير القابل للتغيير على المدى القريب، فلن تجد الإرادة الشعبية الحقيقية في السودان إلا الانتظار حتى تسترد الدولة نفسها بشكل كامل باسترداد إقليم دارفور كاملاً وإقصاء مليشيا الدعم السريع وأذيالها نهائياً من المشهد السياسي السوداني، وبعد ذلك يمكن أن يتم إعداد وتهيئة الداخل السوداني بطرح رؤيته حول مدنية الدولة بآلية وكيفية واضحة تضمن عدم عودة السودان لمربع الحكم العسكري، وبعد ذلك سيتم تحقيق ما نادت به الثورة السودانية، وسينجح السودان في تأصيل حكمه المدني من الداخل “غير مفروض عليه من الخارج”، وهذا ما سيقنع الشارع السوداني لدعمه ودعم مساره وبذلك سيستمد شرعيته وبقاءه من المكون الشعبي الذي يدرك بأن من أبجديات الحكم المدني الرشيد العدالة،لا الولاءات، والمساءلة لا الحصانة، فالحكم الرشيد ليس حالة دائمة بل اتجاه مستمر نحو النضج السياسي.
7️⃣ مدنية الدولة مثلما هي حق أصيل لأي مجتمع يسعى لتأصيل سيادة القانون وفرض منهجية استقلال مؤسساته دون تدخل السلطة التنفيذية، ويعزز قوة المجتمع المدني الذي يراقب الدولة ويعترف بالأخطاء الوطنية التي ستساهم في تقوية الدولة من الداخل لا إضعافها، فهو يدرك أن قوته واستمراريته لابد لها من درع أمني يحمي بقاءها ويمنع العبث وكافة صنوف البلطجة السياسية القادمة من الخارج والتي لا تسعى فقط للسيطرة عبر عناصرها الذين انتقتهم لتتحكم من خلالهم في القرار السياسي والأمني في السودان، بل تسعى للقضاء على السودان كدولة (حتى العناصر الذين تم إختيارهم لتنفيذ ذلك سيتم التخلص منهم تباعاً بعد تحقيق مهمتهم الموكلة إليهم).
8️⃣ خلاصة لما أريد قوله أن تحقيق المدنية الحقيقية المعبرة تماماً عن الإرادة الشعبية في دولة مثل السودان راكمت وعيها السياسي على مدى عقود، وتمرست سياسياً واحترفت مؤسساتها العسكرية والأمنية “ميدانياً” يحتاج أولاً إلى إدراك النخب المدنية “الوطنية” السياسية السودانية بتجنب الأخطاء والتعلم من الفشل الذي وقعت فيه النخب المدنية السابقة والتي، رغم رؤيتها الوطنية وصدقها ودورها في تأصيل الوعي السياسي والموازنة بين المصالح والسيادة، إلا أنها لم تقرأ المشهد الداخلي والخارجي بتمعن، ورغم كفاءتها التي بدت أنها تعطلت أو تم تعطيلها فهي لم توفق في طرح رؤيتها، وهذا ما أعاق ولادة حكم مدني حقيقي في السودان على مدى العقود الماضية.
9️⃣ نتمنى للسودان الشقيق وأهله الكرام النصر، والتوفيق، والسداد، والاستقرار والرخاء، وإن شاء الله سيولد السودان الجديد برؤية وطنية خالصة، تنفيذها والحكم عليها، والتحكم فيها شأناً سودانياً خالصاً، وحدهم أبناء المقرن من يحق لهم التفاكر والتجادل والتوافق والاختلاف حول ذلك. تحياتي .
🛑 للاطلاع على رابط صحيفة القدس العربي الذي تناول فيه الدكتور الشفيع خضر سعيد مقالنا حول مستقبل المؤسسة العسكرية السودانية ⤵️
https://www.alquds.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A8%D9%86/
🛑 رابط للمقال الذي كتبته بعنوان (المؤسسة العسكرية السودانية “عندما يتحول الحسم لرأسمال إستراتيجي”)


