لا يمكن قراءة ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة (لانا زكي نسيبة) لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة بمعزل عن حسابات النفوذ الدولي وإعادة تموضع أبوظبي داخل المؤسسات متعددة الأطراف، فالترشيح الذي أُعلن في 21 أكتوبر 2026 لا يمثل مجرد استثمار في خبرة دبلوماسية ممتدة، بل يفتح الباب أمام تساؤلات استراتيجية حول أهداف الإمارات من الوصول إلى قمة المنظمة الدولية في ظل التوترات الإقليمية والاتهامات المرتبطة بالحرب السودانية.
تتعدد الدوافع المحتملة لهذا الترشيح، أولها تعزيز المكانة الدولية للإمارات وتحويل ثقلها الاقتصادي وشبكة علاقاتها الخارجية إلى حضور مؤسسي أوسع في صناعة القرار الدولي.
وثانيها تحسين صورتها الدبلوماسية في مواجهة الانتقادات التي طالت سياساتها الإقليمية خصوصاً في السودان، حيث تتهمها الحكومة السودانية بدعم قوات الدعم السريع وهي اتهامات تنفيها أبوظبي وقد رأى تحليل نشرته (الأهرام أونلاين) أن استعادة الصورة الدولية للإمارات أحد العوامل المحتملة وراء الترشيح، وهو تقدير تحليلي لا يمثل إقراراً بنوايا رسمية معلنة.
وثالثها أن وصول شخصية ذات خبرة طويلة في الدبلوماسية الإماراتية إلى هذا المنصب قد يمنح أبوظبي حضوراً سياسياً غير مباشر في النقاشات الدولية المتعلقة بالسلام، والأمن والعمل الإنساني، غير أن ذلك يظل احتمالاً استراتيجياً لا دليلاً على أن المرشحة ستستخدم المنصب لخدمة مصالح بلادها.
بالنسبة للسودان تكمن المسألة في الثقة والاستقلال فقد شغلت نسيبة منصب المندوبة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، ودافعت خلال مسيرتها عن مواقف بلادها، وهذا لا يشكل مانعاً قانونياً تلقائياً، لكنه يبرر المطالبة بتوضيحات بشأن قدرتها على إدارة الملفات التي تتصل بمصالح الدولة التي رشحتها. وتوفر المادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة أساسا مهما للنقاش إذ تمنع الأمين العام وموظفي الأمانة العامة من طلب التعليمات من الحكومات أو تلقيها منها، كما تحدد المادة 97 آلية التعيين بتوصية مجلس الأمن وقرار الجمعية العامة، وعليه يستطيع السودان تقديم مذكرة قانونية موثقة إلى رئيسي مجلس الأمن والجمعية العامة تتضمن المواقف الرسمية ذات الصلة، وتطلب إخضاع المرشحة لتدقيق موضوعي في معايير الاستقلال والنزاهة، مع حشد الدعم بين الدول الأعضاء وطرح أسئلة واضحة خلال الحوار التفاعلي معها.
لكن المرافعة السودانية يجب ألا تدعي امتلاك حق منفرد في إبطال الترشيح، فلا توجد قاعدة تستبعد المرشح لمجرد جنسيته أو عمله الدبلوماسي السابق، إنما تكمن قوة الاعتراض في الأدلة، ودقة التكييف القانوني والقدرة على إقناع الدول بأن الثقة في قيادة الأمم المتحدة تستوجب أعلى معايير الاستقلال.
إن معركة السودان ليست ضد جنسية المرشحة، بل من أجل ألا تتقدم حسابات النفوذ على مقتضيات القانون الدولي، فالدبلوماسية الفاعلة لا تكتفي بإعلان الرفض، بل تحول الاعتراض إلى ملف مؤسسي متماسك يطالب بالشفافية، والمساءلة والمساواة أمام القانون، ويؤكد أن حماية المدنيين في السودان لا ينبغي أن تخضع لموازين المصالح أو ازدواجية المعايير.

