مشكلة جيب (كفيا كنجي) و (حفرة النحاس) لا تكمن في أنهما أرض متنازع عليها بين دولتين فحسب، بل في أنهما فضاء ثلاثي الأطراف تتقاطع فيه حدود السودان، وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتتكدّس فيه طبقات من السيادة المتداخلة، والفراغ الأمني والاقتصاد غير المشروع. ومن هنا تأتي قيمتهما الاستراتيجية؛ إذ إن أهميتهما لا تحددها المساحة الجغرافية بقدر ما يحدّدها الدور الوظيفي الذي يؤديانه بوصفهما معبراً وممراً ومنطقة منخفضة الرقابة، تربط إقليم دارفور في السودان بجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، وتفتح المجال أمام حركة الأشخاص والسلع والموارد، المشروعة منها وغير المشروعة.
أرى أن المدخل الصحيح لفهم هذه المنطقة لا يبدأ بالسؤال التقليدي المتعلق بحدود السيادة القانونية، وإنما بتحليل العلاقة بين الجغرافيا، والسلطة، والأمن والموارد، بحسبان أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارتها، وأن الاعتراف القانوني بالسيادة لا يضمن ،في حد ذاته، ممارسة وظائف الدولة على الإقليم. وفي تقديري، فإن كفيا كنجي وحفرة النحاس تمثلان نموذجاً بالغ الدلالة لما يمكن تسميته جغرافيا الفراغ الوظيفي؛ أي الجغرافيا التي تتراجع فيها قدرة الدولة على ممارسة وظائفها الأساسية، فتتحول المساحة المفتوحة إلى مجال تتنافس فيه القوى المسلحة وشبكات المصالح والاقتصادات الموازية على النفوذ والموارد وطرق العبور.
جغرافياً، يقع الجيب في أقصى جنوب غرب ولاية جنوب دارفور في السودان، وتُقدّر مساحته بنحو 12,500 كيلومتر مربع، ويحدّه شمالاً نهر أم بلاشا، المعروف أيضاً بنهر روغابا، وشرقاً نهر بيكي، وجنوباً وغرباً جمهورية أفريقيا الوسطى، مع امتدادات حدودية تتصل بولاية غرب بحر الغزال في دولة جنوب السودان. ويندرج الإقليم ضمن نطاق الحدود الجنوبية التي ظلت ،منذ استقلال السودان عام 1956، مسرحاً لخلافات قانونية وإدارية لم تُحسم بصورة نهائية.
ولا يمكن فهم هذه الجغرافيا بمعزل عن تاريخ تشكّل الحدود السياسية في السودان والمنطقة المحيطة به؛ فالحدود الأفريقية الحديثة لم تكن جميعها نتاجاً لتطور طبيعي للمجتمعات المحلية أو لتوافقات سياسية داخلية، بل ارتبط جانب معتبر منها بالترتيبات الإدارية التي فرضتها القوى الاستعمارية، ثم ورثتها الدول المستقلة. وقد أفضى ذلك، في حالات عديدة، إلى نشوء مناطق تتداخل فيها الروابط الاجتماعية والاقتصادية مع خطوط السيادة القانونية، فتغدو الحدود الرسمية أقل قدرة على تنظيم الحركة الفعلية للسكان والموارد مما توحي به الخرائط السياسية.
وفي هذا السياق، تشير الرواية التاريخية المتداولة بشأن كفيا كنجي إلى أن الجيب كان إدارياً ضمن مديرية بحر الغزال الجنوبية في عام 1956، قبل أن يصدر قرار في عام 1960، خلال عهد حكومة الفريق إبراهيم عبود، بإلحاقه إدارياً بدارفور. ولم تقبل القوى الجنوبية ذلك التغيير، ثم نص اتفاق أديس أبابا لعام 1972 على العودة إلى حدود عام 1956، غير أن آليات التنفيذ لم تُفعّل على نحو أنهى الخلاف. وبعد توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005، ظل الجيب ضمن الملفات الحدودية التي لم تُحسم بصورة نهائية، ثم أدى انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى تحويل المسألة من خلاف إداري داخل الدولة السودانية إلى نزاع بين دولتين مستقلتين، لكل منهما تصورها القانوني بشأن تبعية المنطقة.
ومع ذلك، فإن التدقيق التاريخي والقانوني يقتضي التمييز بين الروايات الإدارية المتداولة، والقرارات الرسمية الموثقة، والنصوص التي يمكن الاستناد إليها لإثبات الحدود المعترف بها قانوناً. ومن ثم، فإن الوصول إلى تسوية مستدامة يتطلب مراجعة الخرائط والوثائق الإدارية والاتفاقات ذات الصلة، بدلاً من الاكتفاء باستدعاء الروايات السياسية المتعارضة. فالقانون الدولي لا يمنح المطالبات المتنافسة حصانة من الفحص التاريخي، كما أن الوقائع الميدانية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات انتقال السيادة القانونية من دولة إلى أخرى.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فالجيب ،من حيث طبيعة النزاع القانوني، يرتبط أساساً بمطالبات حدودية بين السودان وجنوب السودان، لكنه من حيث الواقع الميداني مجال متعدد الفواعل ومتشابك المصالح. فمنذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، برزت تقارير موثقة بشأن توسع وجود قوات الدعم السريع وحلفائها في أجزاء من المثلث الحدودي، واستخدام بعض مناطقه في الحركة والإمداد عبر الحدود. كما أُكدت تلك التقارير بشأن وجود قوات المليشيا في مناطق مثل أم دافوق وسونغو وكفيا كنجي، واستخدام المجال الحدودي عمقاً لوجستياً خلفياً يرتبط بطرق الإمداد ومطار نيالا ومسارات العبور المتصلة بأفريقيا الوسطى.
كذلك، اتهمت سلطات في منطقة راجا بجنوب السودان، وفق الروايات المتداولة بشأن أحداث سبتمبر 2024، قوات الدعم السريع بالسيطرة على كفيا كنجي وحفرة النحاس والاستيلاء على موارد معدنية، في حين نفت قيادة الجيش فى حكومة جنوب السودان وجود تلك القوات داخل أراضيها. وتستدعي هذه الاقوال ، بالنظر إلى خطورة مضمونها، التعامل معها باعتبارها وقائع لا تحتاج إلى كبير عناء في سبيل تأكيدها، ولا مجال للتمييز بين السيطرة العسكرية المؤقتة، والوجود اللوجستي والنشاط الاقتصادي.
لكن ،حتى مع ضرورة التحفظ المنهجي في التعامل مع المعلومات الميدانية، فإن الدلالة الاستراتيجية الأوسع تظل قائمة: نحن أمام منطقة لا يمكن تفسير واقعها من خلال ثنائية الدولة والحدود وحدها، لأن شبكة المصالح التي تتحرك فيها قد تتجاوز الأطراف الرسمية للنزاع، وتمتد إلى الجماعات المسلحة والوسطاء التجاريين وشبكات التهريب والفاعلين الاقتصاديين العابرين للحدود.
وفي تقديري، فإن هذا التداخل هو الذي يجعل الجيب أقرب إلى فراغ أمني قابل للاستثمار منه إلى أرض خالية من السلطة تماماً. فالفراغ هنا لا يعني انعدام السيطرة بصورة مطلقة، وإنما يعني غياب سلطة عامة قادرة على احتكار القوة وتنظيم الموارد وضبط حركة الأشخاص والبضائع على نحو مستقر. وقد توجد في مثل هذه البيئات سلطة مسلحة تسيطر على طريق أو منجم أو معبر، لكنها لا تقدم بالضرورة إدارة مدنية أو خدمات عامة أو نظاماً قانونياً قابلاً للاستمرار. وهكذا تتوزع وظائف الدولة بين أطراف متعددة، من دون أن تتجمع في مؤسسة واحدة قادرة على فرض النظام العام.
وهذه المقاربة تقترب من أفكار عالم السياسة والباحث في الدراسات الأمنية (باري بوزان) الذي أسهم في توسيع مفهوم الأمن من المجال العسكري وحده إلى مجالات سياسية، واقتصادية، ومجتمعية وبيئية مترابطة. ووفق هذه الرؤية، لا ينبغي النظر إلى أمن كفيا كنجي باعتباره مسألة انتشار عسكري على خط حدودي، بل بوصفه منظومة من التفاعلات التي يتداخل فيها أمن الحدود مع الاقتصاد المحلي، وحركة السكان، والموارد الطبيعية، وشبكات التجارة وقدرة المؤسسات الرسمية على أداء وظائفها.
ومن باب أولى، فإن أي تحليل يكتفي بتحديد القوة المسلحة الموجودة في المنطقة، من دون دراسة مصادر تمويلها وطرق إمدادها وعلاقاتها بالوسطاء الاقتصاديين، سيظل تحليلاً ناقصاً. فالقوة العسكرية لا تتحرك في الفراغ؛ إذ تحتاج إلى الوقود والغذاء والتمويل والمعلومات ومسارات الاتصال، كما تحتاج إلى بيئة محلية تسمح لها بالحركة أو تتسامح مع وجودها. ولذلك، فإن السيطرة على الممرات قد تكون أحياناً أكثر أهمية من السيطرة على التجمعات السكانية، خصوصاً عندما تكون المنطقة قليلة السكان، واسعة المساحة، وضعيفة البنية التحتية.
وتتضاعف أهمية هذه الحقيقة بفعل الخصائص الطبيعية للجيب. فهو يقع ضمن نطاق جغرافي تتقاطع فيه أنظمة التصريف المائي المرتبطة بحوض النيل وحوض الكونغو، ويتكون من تلال وغابات وسهول تتغير خصائصها تبعاً للمواسم. أما نهر أم بلاشا، فلا يشكل حاجزاً طبيعياً ثابتاً على امتداد العام؛ إذ يمكن أن تتغير قابلية عبوره بصورة كبيرة بين موسم الجفاف وموسم الأمطار، حين تتحول بعض مناطقه إلى مستنقعات ومجاري مائية يصعب اجتيازها.
وهذه الطبيعة الموسمية تفرض معضلة عملياتية على أي قوة تحاول فرض سيطرة مستدامة على المنطقة. ففي موسم الجفاف قد تتعدد مسارات العبور، وتتراجع قدرة الموانع الطبيعية على تقييد الحركة، بينما تزداد صعوبة التنقل والإمداد خلال موسم الأمطار. ومن ثم، لا تكفي معرفة الموقع الجغرافي وحدها لفهم أهميته العسكرية، بل ينبغي دراسة العلاقة بين التضاريس، والمناخ، والممرات والقدرة على الإمداد، بحسبان أن الجغرافيا ليست خلفية صامتة للصراع، وإنما عنصر فاعل في تحديد تكلفته وإيقاعه والنتائج الممكنة له.
وقد أدركت الإدارة البريطانية، في إطار إدارتها الاستعمارية للسودان، صعوبة إدارة بعض المناطق الحدودية النائية، حيث تتداخل المسافات الطويلة مع ضعف البنية التحتية وتعقيد التضاريس. غير أن وصف كفيا كنجي وحفرة النحاس بأنهما منطقتان غامضتا الإدارة يحتاج إلى إسناد وثائقي محدد إذا أُريد تقديمه باعتباره وصفاً تاريخياً رسمياً. والأهم من ذلك أن المشكلة التي تكشف عنها هذه الجغرافيا ما زالت قائمة في جوهرها: فغياب الطرق المعبدة والكهرباء والخدمات والسجلات المدنية وآليات ترسيم الحدود على الأرض يرفع تكلفة الانتشار الحكومي ويضعف استدامته.
وهنا يمكن استحضار مقاربة كارل فون كلاوزفيتز بشأن العلاقة بين الحرب والسياسة، مع ضرورة عدم اختزال أفكاره في الجانب العسكري وحده. فالقوة المسلحة، مهما بلغت قدرتها على احتلال موقع جغرافي، لا تحقق بالضرورة الغاية السياسية إذا عجزت عن تحويل السيطرة الميدانية إلى وضع مستقر يخدم أهدافها. وفي حالة كفيا كنجي، فإن احتلال معبر أو تأمين طريق لا يعادل بالضرورة بناء سلطة قادرة على حماية السكان وتنظيم النشاط الاقتصادي وإدارة الحدود. بل قد تتحول السيطرة العسكرية، إذا لم تُدعّم بمؤسسات وإمدادات مستدامة، إلى عبء يتجاوز عائدها الاستراتيجي.
ومن هنا، أعتقد أن السؤال الأهم ليس: من يستطيع الوصول إلى الجيب؟ بل: من يستطيع البقاء فيه، وإدارة ممراته، وضبط موارده، وتحويل السيطرة المؤقتة إلى نفوذ مستدام؟ فهناك فرق جوهري بين القدرة على اختراق المجال الجغرافي والقدرة على تنظيمه. وقد تكون القوة الأقدر على الحركة هي الأقل قدرة على إقامة نظام مستقر، في حين تستطيع شبكة صغيرة من الوسطاء المحليين، إذا أحكمت السيطرة على نقاط العبور ومصادر الموارد، أن تمارس نفوذاً يفوق حجمها العسكري المباشر.
أما القيمة الجيوبوليتيكية للجيب، فلا تُقاس بعدد سكانه أو بحجم العمران فيه فحسب، وإنما بدوره الوظيفي ضمن شبكة إقليمية أوسع. فقد ارتبط هذا المجال الحدودي تاريخياً بممرات الحركة والتجارة غير الرسمية بين دارفور وأفريقيا الوسطى والمناطق المتصلة بحوض الكونغو، وشهدت أجزاء من هذه المنطقة نشاطاً لشبكات تنقل العاج والذهب والأسلحة والمقاتلين. كما ارتبطت مناطق من الحزام الحدودي الأوسع بتحركات جماعات مسلحة عابرة للحدود، من بينها جيش الرب للمقاومة الأوغندي، الذي نشط في أجزاء من أفريقيا الوسطى والكونغو ومناطق مجاورة خلال فترات سابقة.
غير أن تحديد دور كفيا كنجي نفسه في هذه الشبكات، ولا سيما الادعاء باستخدامه قاعدة خلفية لنقل العاج من حديقة غارامبا في الكونغو نحو السودان بين عامي 2009 و2015 بما في ذلك المسارات، والأطراف والفترة الزمنية. فالتشابه الجغرافي بين مناطق النشاط غير المشروع لا يثبت ،بمفرده، أن كل منطقة حدودية كانت جزءاً من الشبكة ذاتها. ومع ذلك، فإن التاريخ الإقليمي يقدم دليلاً مهماً على أن ضعف الرقابة الحدودية يمكن أن يتيح لشبكات التهريب إعادة تنظيم مساراتها وفقاً للظروف السياسية والأمنية المتغيرة.
وفي سياق الحرب السودانية الراهنة، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة؛ إذ يمكن للشبكات المسلحة للمليشيا والوسطاء التجاريين من اعوانها استغلال تعدد المعابر وضعف الرقابة لنقل السلع والموارد وتوفير الإمدادات. كما تثير التقارير الموثقة المتعلقة بارتباط بعض شبكات الذهب والتمويل بجهات تجارية عابرة للحدود تساؤلات تستحق الوقوف عندها طويلا بشأن المستفيدين من الاقتصاد الحربي، بما في ذلك التقارير المتصلة بوسطاء وشركات مرتبطة بالإمارات العربية المتحدة. لكن من الضروري التوثيق الجيد بين وجود علاقات تجارية، والاثار السياسية وإثبات مسؤولية جهة بعينها عن نشاط غير مشروع؛ إذ لا تستقيم الحجة الاستراتيجية الدولية من دون أدلة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
وهنا تبرز أهمية أفكار صن تزو، الذي ربط النجاح في الصراع بفهم البيئة والخصم وشروط الحركة، لا بمجرد التفوق في استخدام القوة. ويمكن استلهام هذا المنظور لفهم أن السيطرة على المعلومات والممرات وشبكات الإمداد قد تسبق السيطرة العسكرية المباشرة في تحديد موازين النفوذ. فالممر الذي يتيح انتقال الموارد والمقاتلين قد تكون قيمته الاستراتيجية أكبر من مساحة الأرض التي يمر عبرها، كما أن تعطيل شبكة الإمداد قد يحقق أثراً يتعذر بلوغه من خلال مواجهة عسكرية مباشرة ومكلفة.
ولذلك، ليس من المفيد التعامل مع الجيب باعتباره مجرد نقطة خلاف حدودي تنتظر قراراً سياسياً، لأن هذا التصور يغفل شبكة المصالح التي قد تتغذى على استمرار الغموض. فبعض الفاعلين قد لا يحتاجون إلى حسم النزاع القانوني بقدر حاجتهم إلى استمرار حالة تسمح لهم بالحركة واستخراج الموارد وتجنب المساءلة. وكلما تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على الرقابة، ازدادت فرص نشوء ترتيبات غير رسمية تتولى تنظيم العبور وتحصيل العوائد وحماية المصالح الخاصة.
في المدى المنظور، أرى أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً ليس تسوية قانونية سريعة لمسألة السيادة، بل استمرار حالة من السيادة المتنازع عليها والسلطة المجزأة، تتداخل فيها المطالبات الرسمية مع السيطرة الفعلية وشبكات المصالح. فالسودان يتمسك بمطالبته بالمنطقة استناداً إلى قراراته الإدارية، وجنوب السودان يستند إلى تصوره للحدود الموروثة عن عام 1956، في حين يمكن للقوى المسلحة التي تنشط في المجال الحدودي أن تمارس نفوذاً ميدانياً متفاوتاً من دون أن يمنحها ذلك حقاً قانونياً في السيادة.
ولا يعني هذا أن الأطراف جميعها ترفض التسوية بالضرورة، أو أن استمرار النزاع يخدم كل طرف بالقدر نفسه؛ فهذه فرضية تحتاج إلى تحليل مصالح كل فاعل على حدة. لكن من المعقول افتراض أن الغموض القانوني وضعف الرقابة قد يخلقان حوافز لدى بعض المستفيدين من الاقتصاد غير المشروع للإبقاء على الوضع القائم. وعليه، فإن أي مبادرة تبدأ بحسم مسألة السيادة وحدها من دون معالجة الأمن المحلي، والاقتصاد الحدودي وشبكات التهريب، قد تنجح في إنتاج اتفاق رسمي، لكنها ستظل عاجزة عن تحويله إلى واقع مستقر.
ومن هنا، فإن المقاربة الأكثر واقعية تبدأ بمسارين متوازيين: الأول قانوني وتاريخي، يهدف إلى توثيق المطالبات والخرائط والقرارات الإدارية ذات الصلة، وتهيئة المجال لتسوية تفاوضية بين السودان وجنوب السودان
والثاني أمني واقتصادي، يستهدف تقليص الفراغ المؤسسي، وحماية السكان، ومراقبة المعابر، وتعزيز التعاون الحدودي، وبناء آليات تمنع تحويل الموارد الطبيعية إلى مصادر لتمويل الحرب.
وفي تقديري، فإن بناء نظام فعال لإدارة الحدود قد يكون، في المرحلة الأولى، أكثر إلحاحاً من التسرع في إعلان تسوية نهائية لا تتوافر لها شروط التنفيذ. فالتعاون في مكافحة التهريب، وتبادل المعلومات، وتنظيم حركة السكان والرعاة والتجار، وتحديد المسؤوليات الأمنية، كلها إجراءات يمكن أن تخفف المخاطر حتى قبل الاتفاق على كل تفاصيل السيادة. كما أن إشراك المجتمعات المحلية في إدارة مواردها وحماية مصالحها يحد من قابلية المنطقة للتحول إلى مجال مفتوح أمام القوى المسلحة وشبكات الاقتصاد غير المشروع.
إن كفيا كنجي وحفرة النحاس ليستا مجرد هامش بعيد على الخريطة السودانية، بل اختبار لقدرة الدول على تحويل السيادة القانونية إلى أمن فعلي، وتحويل الجغرافيا المفتوحة من مصدر للاضطراب إلى مجال للتعاون والاستقرار. وإذا كانت حرب المليشيا واعوانها علي السودان قد كشفت هشاشة الحدود في مناطق عديدة، فإن هذا الجيب يوضح بصورة أكثر تعقيداً: كيف يمكن أن تتقاطع النزاعات التاريخية مع اقتصاد الحرب وضعف المؤسسات والمصالح الإقليمية.
وأرى أن جوهر المسألة لا يكمن فيمن يرفع علمه فوق الأرض، وإنما فيمن يستطيع أن يمنع تحويلها إلى ممر دائم للفوضى، ومصدر لتمويل الصراع ومنصة لإعادة إنتاج العنف عبر الحدود. فالعبرة تكمن في قدرة الدولة على ممارسة سيادتها بصورة قانونية وفعالة، وبقدرتها على حماية السكان، والموارد، وحسم سيطرة مليشيا الدعم السريع وأعوانها، ووجودها فى جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس القوة.
وعندما تتوافر هذه الشروط، يصبح حسم النزاع الحدودي أكثر قابلية للاستمرار. أما إذا غابت، فإن تغيير الخطوط على الخرائط لن يمنع من استمرار الصراع، لأن الجغرافيا التي تُترك بلا إدارة ستظل قابلة لإعادة إنتاج زوابع الأهواء والمصالح، مهما تعددت الاتفاقات وتغيرت موازين القوة.
جيب كفيا كنجي وحفرة النحاس.. جغرافيا الفراغ وزوابع الأهواء (1) د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية
المقالة السابقة


