كتبنا كثيراً في الشأن الاقتصادي، وطرقنا أبواب الأزمات وقدمنا من الرؤى والمقترحات والحلول ما نعتقد أنه قد يسهم في تخفيف معاناة الناس، واستعادة عافية الاقتصاد وتصحيح مسار إدارة الدولة. تحدثنا عن الإنتاج، والصادرات، والسياسات الاقتصادية وأهمية التخطيط والتنسيق المؤسسي، وقلنا إن الأزمات مهما تعقدت تظل قابلة للمعالجة متى توفرت الإرادة وحسن الإدارة.
لكننا اليوم نغير وجهتنا قليلاً، ونضع جانباً لغة الأرقام والمؤشرات والتحليلات لنكتب بلسان المواطن وبقلب يعتصره الحزن والأسى على ما آل إليه حال السودان وشعبه، فثمة لحظات يصبح فيها الحديث عن المؤشرات الاقتصادية أقل أهمية من الحديث عن كرامة الإنسان وتصبح فيها الأرقام عاجزة عن وصف حجم المعاناة التي يعيشها الناس.
ماذا نقول لشعب يقف في صفوف الخبز بحثاً عن لقمة تسد جوع أطفاله؟ وماذا نقول لمن يقضي ساعات ينتظر الوقود أو يقف على قارعة الطريق في انتظار وسيلة مواصلات توصله إلى عمله أو منزله؟ ماذا نقول للأمهات والآباء الذين يواجهون انقطاع الكهرباء والمياه ويحاولون تدبير شؤون حياتهم وسط ظروف لم تعد تحتمل مزيداً من المشقة؟
أيّ حياة هذه التي أصبح فيها الحصول على أبسط مقومات العيش معركة يومية؟ وأي وطن نرجوه إذا ظل المواطن ينتقل من أزمة إلى أخرى ومن انتظار إلى انتظار وكأن قدره أن يظل صابراً على كل شيء؟
إن هذا الشعب لا يستحق كل هذا العناء فشعب السودان شعب أبيّ، عزيز النفس مرفوع الرأس و الهامة، فعرفته المواقف صلباً، وعرفته المحن متماسكاً، ولم تكن كرامته يوما أمراً قابلاً للمساومة، فهذا شعب قد يصبر على شظف العيش ويتحمل قسوة الظروف ويقدم التضحيات من أجل وطنه ولكنه لا يقبل أن يدفع إلى الشعور بالمهانة أو أن تصبح كرامته ثمنا لعجز الإدارة أو سوء تقدير الأولويات.
لا تحاولوا أن تشعروا هذا الشعب بالذل فكرامة السوداني ليست تفصيلا يمكن تجاوزه، وليعلم كل من يراهن على طول صبر الناس أن الصبر ليس ضعفاً، وأن الهدوء ليس عجزاً وأن انشغال المواطن بتدبير معاشه لا يعني أنه فقد القدرة على التعبير عن وجعه وموقفه، فالشعوب حين تشعر بأن كرامتها قد مُسّت، وأن صوتها لم يعد مسموعاً وأن معاناتها أصبحت أمراً عادياً في حسابات المسؤولين قد تتحول مشاعر الاحتقان المتراكمة إلى هدير سيل لا يمكن تجاهل قوته أو التنبؤ بمداه.
فيا حكومة الأمل التي نرجو ألا يتحول اسمها إلى مفارقة مؤلمة في ذاكرة السودانيين راعِ الله في شعبك فالشعب الذي ينتظر منكم الأمل لا ينتظر الخطب والوعود ولا التصريحات ،وإنما ينتظر أن يرى أثر الدولة في حياته اليومية؛ خبز متوفر، ووقود مستقر، ومواصلات ميسرة، وكهرباء لا تنقطع، ومياه تصل إلى البيوت وخدمات تحفظ للإنسان الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
إن المسؤولية الوطنية لا تقاس فقط بما يتحقق في ميادين القتال على عظمته وأهميته، وإنما كذلك بقدرة الدولة على حماية الجبهة الداخلية وصون حياة المواطنين وإدارة احتياجاتهم الأساسية، فالجبهة الداخلية ليست أقل أهمية من أي جبهة، أخرى فالمواطن الذي يتحمل تبعات الحرب يستحق أن يجد من الدولة ما يخفف عنه، لا ما يضيف إلى أعبائه أعباء جديدة.
ولعل ما ينبغي أن تدركه الحكومة جيداً أن هذا الشعب يضغط على نفسه، ويتحمل فوق طاقته ويؤجل كثيراً من احتياجاته ويصبر على ظروف معيشية قاسية إيماناً منه بوطنه، وتقديراً لتضحيات القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى ومساندة لمعركة الكرامة التي يخوضها السودان دفاعاً عن أرضه وسيادته ومستقبله.
فلا تجعلوا هذا الصبر عبء إضافي عليه، ولا تستفزوا مشاعره بمزيد من الضغوط في معاشه وحركته وسكونه، ولا تجعلوا المواطن يشعر بأنه مطالب وحده بدفع فاتورة الحرب بينما ينتظر من مؤسسات الدولة أن تقوم بواجبها في توفير الضروريات وإدارة الأزمات.
إن الانتصارات العسكرية مهما بلغت أهميتها تحتاج إلى دولة تحسن إدارة ما بعدها وتحتاج إلى مجتمع متماسك ومواطن يشعر بأن تضحياته محل تقدير وأن حكومته تسمعه وتعمل من أجله، فالحفاظ على ثقة الشعب ليس عمل ثانوي ولكن هي أحد أهم مقومات الصمود الوطني.
ونحن لا نكتب ذلك من باب التشاؤم ولا رغبة في جلد الذات أو التقليل من حجم التحديات التي تواجه الدولة في ظروف الحرب، ولكن من باب المسؤولية والحرص على ألا تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم. فالحكومة التي تواجه تحديات استثنائية تحتاج إلى مصارحة الناس وإلى قرارات عملية وإلى أولويات واضحة وإلى إدارة حاضرة في تفاصيل حياتهم، لا أن تتركهم وحدهم في مواجهة أزمات تتكرر دون حلول مستدامة.
إن المطلوب اليوم إدارة اقتصادية وخدمية تدرك أن الخبز، والوقود، والمياه، والكهرباء والمواصلات ليست ملفات هامشية، وانما هي صميم الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي، فالمطلوب أن يشعر المواطن بأن هناك من يفكر في معاناته، ويتابع أزماته، ويحاسب المقصر ويبحث عن الحلول قبل أن تتحول الأزمات إلى واقع دائم.
وأخيراً وليس آخراً، يا حكومة الأمل إن أجمل ما يمكن أن تقدموه لهذا الشعب هو أن تحفظوا له كرامته، وماء وجهه، وتخففوا عنه معاناته وتكونوا عند حسن ظنه.
فهذا الشعب الذي وقف مع وطنه في أصعب الظروف وساند قواته المسلحة وقواته النظامية، وتحمل ما لا تتحمله شعوب كثيرة يستحق منكم أن تقفوا معه بالقدر نفسه من المسؤولية والوفاء.
لا تختبروا صبر السودانيين أكثر مما ينبغي، ولا تستهينوا بوجعهم ولا تخلطوا بين صبرهم وقبولهم بالمعاناة، فالسوداني قد يطوي ألمه في صدره طويلاً لكنه لا يتنازل عن كرامته ولا يقبل أن يهان في وطنه.
احفظوا كرامة هذا الشعب فهو سند الوطن وعماد بقائه ومن أجله تخاض معركة الكرامة، ولا معنى لانتصار لا يجد المواطن أثره في حياته وعزته وإنسانيته.
(لك الله يا شعبي العظيم)


