في مطلع سورة هود يفتتح القرآن الكريم خطابه بوصفٍ بالغ الدلالة:
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
وليس من قبيل المصادفة أن تأتي كلمة «أُحكمت» من الجذر اللغوي ذاته الذي اشتُقت منه كلمات الحُكم، والحكمة، والتحكيم، والحوكمة. فالإحكام في لغة العرب يعني الإتقان، والضبط، وإغلاق منافذ الخلل، ووضع كل شيء في موضعه الصحيح.
ومن هنا تتجلى حقيقة تستحق التأمل: فالله سبحانه وتعالى لم يصف كتابه أولًا بالتفصيل، وإنما بالإحكام، لأن البناء المتقن يسبق التفصيل، والنظام يسبق التنفيذ، والقواعد المحكمة تسبق الإجراءات. وهذه ليست قاعدة قرآنية فحسب، بل هي أيضًا قاعدة في الإدارة والاقتصاد وبناء الدول.
لقد أصبحت الحوكمة اليوم من أكثر المصطلحات تداولًا في عالم الإدارة، لكنها في جوهرها ليست سوى الامتداد المؤسسي لمعنى الإحكام؛ فهي منظومة لضبط السلطة، وتنظيم المسؤوليات، وتعزيز الشفافية، وترسيخ المساءلة، وحماية المال العام، وضمان أن تعمل المؤسسات وفق قواعد لا وفق الأهواء.
إن الأزمة التي يعيشها السودان اليوم ليست أزمة موارد، ولا أزمة كفاءات بشرية، فالسودان من أغنى دول المنطقة بالثروات الطبيعية والبشرية، لكنها في المقام الأول أزمة غياب الإحكام المؤسسي. فعندما تغيب الحوكمة، تصبح القرارات رهينة الاجتهادات الفردية، وتختلط الصلاحيات، وتضعف الرقابة، وتتسع منافذ الفساد، ويصبح الاقتصاد أسيرًا لردود الأفعال بدلًا من التخطيط.
ولعل أخطر ما أنتجه هذا الواقع هو فقدان الثقة؛ فالمستثمر يبحث أولًا عن بيئة تحكمها المؤسسات، والمواطن يريد عدالة في توزيع الفرص والخدمات، والأسواق تحتاج إلى قواعد مستقرة أكثر من حاجتها إلى الشعارات. فالاقتصاد لا ينمو في بيئة يسودها الغموض، بل في بيئة تحكمها الشفافية، ويقودها القانون، وتحميها المؤسسات.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي حققت قفزات اقتصادية لم تبدأ بزيادة الإنفاق، وإنما بدأت بإصلاح منظومات الحوكمة. فالإدارة الرشيدة لا تخلق الثروة مباشرة، لكنها تخلق البيئة التي تسمح للثروة بأن تُنتج، وللاستثمار بأن يتدفق، وللموارد بأن تُدار بكفاءة وعدالة.
وفي المقابل، فإن غياب الحوكمة يجعل حتى الموارد الضخمة عبئًا على الدولة بدلًا من أن تكون مصدرًا للنمو. ولذلك فإن إصلاح الاقتصاد السوداني لا يبدأ من الموازنة وحدها، ولا من السياسات النقدية وحدها، بل يبدأ من بناء مؤسسات محكمة، واضحة الصلاحيات، خاضعة للمساءلة، وقادرة على اتخاذ القرار على أساس البيانات والكفاءة، لا الولاءات والمصالح الضيقة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نستحضره في هذه المرحلة هو أن القرآن الكريم قدّم قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا فلسفةً كاملة لبناء المنظومات؛ فقد بدأ بالإحكام ثم التفصيل، بينما نحن كثيرًا ما ننشغل بالتفاصيل قبل أن نُحكم البناء. نكتب اللوائح دون أن نبني المؤسسات، ونغيّر الأشخاص دون أن نصلح الأنظمة، ونبحث عن الحلول السريعة بينما أصل المشكلة يكمن في غياب النظام ذاته.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات بقدر حاجته إلى إحكام في إدارة الدولة، وإلى حوكمة في إدارة الاقتصاد، وإلى مؤسسات تعمل باستقلالية وكفاءة وشفافية. فالإحكام ليس مفهومًا لغويًا أو دينيًا مجردًا، بل هو أساس العمران، وروح الإدارة، وسر ازدهار الأمم.
ولعل الرسالة التي تحملها الآية الكريمة ما زالت تتردد في كل زمان: لا نهضة بلا إحكام، ولا إحكام بلا حوكمة، ولا حوكمة بلا إرادة تُقدِّم مصلحة الوطن على كل اعتبار.


