Popular Now

وجه الحقيقة | الموسم الزراعي.. إنذار الأمن القومي .. د. إبراهيم شقلاوي

السودان تحت ظلام المسيّرات: استهداف الكهرباء والأعيان المدنية.. هل تحولت الحرب إلى معركة ضد حياة المواطنين؟ والاتهامات لإثيوبيا تفتح جبهة إقليمية جديدة (38) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد و باحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6368 | ليست النخب السياسية وحدها هي المسؤولة عن تدهور الأوضاع بل تشاركها الخدمة المدنية

وجه الحقيقة | الموسم الزراعي.. إنذار الأمن القومي .. د. إبراهيم شقلاوي

ظل التحضير للموسم الزراعي في السنوات السابقة يحتل موقعاً متقدماً ضمن أولويات الحكومة انطلاقاً من أهميته في تأمين الغذاء وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. غير أن الاستعداد لهذا الموسم لم يكن في المستوي المطلوب، بالنظر إلي تداعيات الحرب و الضغوط الاقتصادية وشح الوقود، حيث فرض ذلك تحديات إضافية على العملية الإنتاجية.

حيث لم يعد الموسم الزراعي وتوفير متطلباته شأناً إنتاجياً فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي وقدرة الدولة على حماية أمنها الغذائي.

لذلك تكتسب هذه المخاوف اهتمام أكبر بالنظر الي التغيرات المناخية والزراعية، فقد كشفت تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة موخراً عن تراجع معدلات الأمطار خلال موسم يونيو–سبتمبر 2026، وتأثر إنبات المحاصيل وتأسيسها في مناطق الإنتاج الرئيسية.

ولا تقف الأزمة عند حدود المناخ، فالحرب أحدثت اختلالاً عميقاً في البنية الإنتاجية، وأخرجت مساحات واسعة من الأراضي عن دورة الزراعة، وعطلت حركة المزارعين والتمويل والإمداد، فضلاً عن ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي وتراجع القدرة على الوصول إلى الأسواق.

لكن قراءة المشهد لا ينبغي أن تتحول إلى استسلام لسيناريو المجاعة، التي بدأ الترويج لها عبر عدد من المنصات الإعلامية بصورة منظمة، كما لا يجوز أن نذهب إلى إنكار المخاطر، فالسودان رغم ما أصاب قطاعه الزراعي من أضرار لا يزال يمتلك موارد وأراضي ومقومات إنتاجية تمنحه قدرة على تجاوز الأزمة، شريطة أن تتحول هذه الإمكانات إلى سياسات عملية وتدخلات عاجلة.

وهذا ما تؤكده توجيهات الرئيس عبد الفتاح البرهان الأخيرة والمتعلقة بتوفير وتشغيل منظومات الطاقة الشمسية للمشاريع الزراعية المروية آلياً على نفقة الدولة، لمواجهة أزمة الوقود، وانقطاع الكهرباء وضمان استمرار عمليات الري خلال الموسم الشتوي.

غير أن نجاح هذه التوجيهات يظل رهيناً بمتابعتها، و بتوسيع نطاقها وكفاءتها وربطها بخطة متكاملة لتأمين الري ومدخلات الإنتاج والتمويل.

وفي ذات الاتجاه تأتي دعوة والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير بالأمس للمصارف إلى التوسع في تمويل الموسم الشتوي بمشروعي الجزيرة والرهد. فالعودة المصرفية إلى ولاية الجزيرة ينبغي ألا تقف عند استعادة الفروع والخدمات، وإنما أن تتحول إلى استعادة فعلية لدورة الإنتاج عبر تمويل المزارعين وتوفير احتياجاتهم العاجلة.

ذلك لأن الأرض التي لا تجد التمويل، والتقاوي، والوقود والمياه في الوقت المناسب تظل خارج دائرة الإنتاج مهما كانت خصوبتها وإمكاناتها.

وتقدم تجربة العام 2024 درساً يستحق الاستفادة منه. فقد ترأس حينها الفريق مهندس إبراهيم جابر اللجنة الطارئة لإنقاذ الموسم الزراعي، ونسقت جهود الجهات المعنية لاستمرار الإنتاج في الولايات والمناطق المتاحة. وأكدت بيانات الفاو لاحقاً أن إنتاج الحبوب بلغ نحو 6.7 مليون طن بزيادة تجاوزت 60% عن إنتاج 2023.

كما أسهم مشروع دعم إنتاج القمح ،الذي نفذه برنامج الغذاء العالمي بتمويل من البنك الأفريقي للتنمية، في تحقيق إنتاج بلغ نحو 645 ألف طن خلال موسم 2023–2024. ولا يمكن نسبة هذه النتائج إلى جهود لجنة واحدة، لكنها تؤكد أن التنسيق المؤسسي، وتعبئة الموارد ودعم المزارعين يمكن أن يحد من آثار الحرب ويحافظ على قدرة البلاد الإنتاجية، وهي تجربة ينبغي استدعاؤها اليوم باعتبارها نموذجاً للعمل المشترك الجاد الذي تكاملت فيه الأدوار.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز مسؤولية الدولة بمؤسساتها المختلفة؛ فوزارة الزراعة والري مطالبة بقيادة تدخل عاجل لحصر المساحات المهددة وتأمين التقاوي والأسمدة، وإدارة مشروع الجزيرة مطالبة بضمان استدامة الإمداد المائي وكفاءة تشغيل المشروع، فيما تقع على وزارة المالية مسؤولية توفير الاعتمادات والضمانات اللازمة للتمويل الزراعي وتوجيه الموارد نحو الإنتاج باعتباره استثماراً في الاستقرار الوطني.

كما أن القطاع الخاص، والمصارف، وشركات الطاقة والاستثمار الزراعي مدعوون إلى الدخول في شراكات عاجلة لتوفير التمويل، و المدخلات، ومنظومات الطاقة الشمسية، والتخزين، والنقل والتسويق، فالموسم الشتوي الحالي لا يحتمل انتظار اكتمال الظروف المثالية، وإنما يحتاج إلى تعبئة وطنية عاجلة تتقدم فيها مسؤولية الإنقاذ على حسابات الربح والفوائد اللحظية.

وثمة جانب آخر لا ينبغي إغفاله، وهو أن الأمن الغذائي أصبح جزءاً من المعركة السياسية والإعلامية المصاحبة للحرب، فالأوضاع الإنسانية والتراجع الإنتاجي ينعكسان على صورة السودان الخارجية، وتُوظف بعض مؤشراتهما في صراع السرديات والتأثير على المواقف الدولية.

بحسب #وجه_الحقيقة، أصبح الموسم الزراعي في هذه الظروف يمثل إنذار مبكر للأمن القومي، يكشف قدرة الدولة على حماية مواردها وتحويلها إلى قوة إنتاج فاعلة، فالأرض والمياه وحدهما لا يصنعان الأمن الغذائي دون إدارة رشيدة، وتمويل مستدام وبنية تحتية جيدة. فالأمن الغذائي ليس مجرد ضمان لقوت الشعب ومعاش الناس، بل صون لسيادة الدولة وحماية لقرارها الوطني من الابتزاز والضغوط الإقليمية والدولية.
دمتم بخير وعافية.

الثلاثاء 3 نوفبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

السودان تحت ظلام المسيّرات: استهداف الكهرباء والأعيان المدنية.. هل تحولت الحرب إلى معركة ضد حياة المواطنين؟ والاتهامات لإثيوبيا تفتح جبهة إقليمية جديدة (38) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد و باحث مختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *