بدأت محكمة الإرهاب في مدينة بورتسودان، الأحد محاكمة قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان “دقلو” و شقيقه عبد الرحيم دقلو و آخرين غيابيًا بتهمة التورط في اغتيال والي غرب دارفور. و طالبت النيابة العامة ،في وقت سابق، و قبل تسليم الدعوى إلى المحكمة، حميدتي و شقيقيه و نائب الوالي تجاني الطاهر كرشوم و آخرين بالمثول أمامها حيث أعلنتهم متهمين هاربين. و قرر قاضي محكمة الإرهاب المأمون الخواض، استمرار جلسات المحاكمة لسماع المتحري و المبلّغ على أن يمثل الشهود للإدلاء بشهادتهم في الجلسات القادمة.
في هذه الجلسات، قدّم النائب العام الفاتح طيفور خطبة الادعاء في أولى جلسات المحكمة، مشيرًا إلى أن القضية تشمل كافة البُنى التي بُنيت عليها الدعوى. و قال طيفور الذي بدأ عليه التأثر، إن القضية تكشف وقائع خيانة من قوات كان من المفترض أن تحمي البلاد. بدأ ذلك الهجوم الشرس على مطار مروي شمالي السودان، تلاه الهجوم على مقر رئيس مجلس السيادة و قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
اغتيل والي غرب دارفور خميس أبكر في 14 يونيو 2023، بعد وقت وجيز من اعتقاله بواسطة مليشيا الدعم السريع التي اقتادته إلى مقرها بحضور قائدها في الولاية عبد الرحمن جمعة بارك الله، قبل أن تظهر مقاطع فيديو توثق مقتل الوالي و التمثيل بجثته. و قبلها، كانت قناة “الحدث” قد وثقت اقتحام مقر إقامته، و أفاد النائب العام بأن الدعم السريع اعتقلت الوالي المقتول وحرسه، بمشاركة جمعة بارك الله وتجاني كرشوم، واقتادته إلى مقرها ثم تمت تصفيته وسحل جثته.
و تتضمن القضية، التي تشمل 16 شخصًا، اتهامات بالتورط في اغتيال خميس و مخالفة 12 مادة من القانون الجنائي، منها المادة 186 الخاصة بالجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى مخالفات لقانون مكافحة الإرهاب. كما تم تسمية قائد الدعم السريع متهمًا أول، و شقيقه عبد الرحيم متهمًا ثانيًا، بينما تم تسمية شقيق آخر يُدعى القوني، الذي يشغل منصب مسؤول المشتريات في الدعم السريع، متهمًا ثالثًا.
و من بين المتهمين كذلك عبد الرحمن جمعة بارك الله و الطاهر كرشوم الذي كان نائبًا لخميس أبكر، و بعد اغتياله انفرد بحكم الولاية التي سرعان ما سيطرت عليها المليشيا، و عيّنت كرشوم رئيسًا للإدارة المدنية حيث لا يزال يشغل المنصب. و تصل العقوبة في حال الإدانة إلى الإعدام.
إن محاكمة هذه الأسماء البارزة تمثل اختبارًا حاسمًا للعدالة السودانية و مدى قدرتها على مواجهة هذه الجرائم. و لكن يبقى التساؤل قائماً: هل ستكون هذه المحاكمة بداية لفتح ملفات أخرى شائكة مثل الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين في (السريحة) و (الهلالية) و (ود النورة) و غيرها، أم ستكون مجرد حلقة إضافية في مسلسل الإفلات من العقاب؟
و بحسب مواثيق القانون الدولي، اتفاقيات جنيف لعام 1949، فإن الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين تُعد جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية، تستوجب المساءلة الجنائية الفردية بما في ذلك بحق قادة المليشيا المسلحة.
بالرغم من هذه الإجراءات يظل هناك سؤال محوريًا لماذا لا يُحاكم حميدتي و شقيقه وفقًا لقانون القوات المسلحة السودانية بدلًا عن القانون الجنائي؟ في جوهر الأمر، ما قام به محمد حمدان دقلو و قوات الدعم السريع بقيادته، هو انقلاب عسكري صريح على الدولة و مؤسساتها الدستورية، و محاولة للاستيلاء على السلطة بالقوة المسلحة، و هو فعل ينطبق تمامًا على توصيف “الخيانة العظمى” والتمرد المسلّح” في قانون القوات المسلحة السودانية.
لكن عدم محاكمته حتى الآن بموجب هذا القانون يرتبط ربما بعدة عوامل متداخلة: أولاها أن الصفة القانونية لهذه القوات : رغم تبعيتها الشكلية للجيش بموجب قانون الدعم السريع لعام 2017، إلا أنها تمتعت بهامش استقلال تنظيمي و عملياتي، ما أدى إلى تضارب قانوني بشأن مرجعيتها الفعلية، و هو ما تستغله بعض الجهات لتبرير عدم إخضاع قادتها لقانون القوات المسلحة.
كذلك الفراغ الدستوري و المؤسسي: منذ التغير في 2019 و ما تلاه من اضطرابات، دخل السودان في حالة سيولة قانونية و دستورية، جعلت من الصعب تفعيل مواد محاسبة الانقلابين التقليدية، خاصة مع غياب برلمان شرعي و محكمة دستورية عليا فاعلة.
كذاك الحسابات السياسية الإقليمية و الدولية: البعض يرى أن هناك تردّدًا دوليًا في تصنيف ما جرى كانقلاب رسمي، رغم وضوح الوقائع، و ذلك لتجنّب تصعيد سياسي أو فتح جبهات قانونية. لذلك محاولة احتواء الجريمة ضمن الإطار الجنائي المدني: خطوة مهمة لكنها قد تُبقي الجريمة في حيز “الانتهاكات”، لا في حيز “الخيانة العسكرية و الانقلاب” .
إن محاكمة حميدتي بقانون القوات المسلحة لا تعني فقط تصنيف أفعاله كخيانة عظمى، بل تعني أيضًا الاعتراف رسميًا بأن ما حدث كان انقلابًا مسلحًا مكتمل الأركان ما يستدعي موقفًا سياسيًا و قانونيًا حاسمًا من الدولة السودانية.
اليوم، يقف السودان على أعتاب مفترق مهم: إما أن تُسهم هذه المحاكمة في استعادة الثقة في مؤسساته العدلية، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل الإفلات من العقاب. و لئن كان النائب العام قد تعهّد بأن “سيف العدالة سيطال كل هارب”، فإن الشعب السوداني، وخصوصًا أهل دارفور، لا ينتظرون مجرد وعود، بل تطبيقًا صارمًا للقانون، و اعترافًا صريحًا بالحقوق.
إن الصمت الدولي حيال هذه الجريمة لن يكون إلا ترخيصًا مستترًا بمزيد من القتل و الانتهاكات، في بلد أنهكته الحرب، و تحتاج مؤسساته المدنية و العدلية إلى الدعم، و بناء مستقبل مختلف، تُصان فيه كرامة الإنسان، و يُحتكم فيه للقانون. و كما قال الفيلسوف بليز باسكال: “العدالة دون قوة عاجزة، و القوة دون عدالة طغيان”.
هذا و بحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة إذا كانت المواثيق الدولية قد رسّخت الحق في المحاسبة كضمان أساسي لعدم تكرار الجرائم، فإن الواقع الميداني في السودان يشير إلى قيام العدالة وسط سطوة القوة الغاشمة المطلوبة لإنصاف الضحايا. و ما بين هذا القيام المنصف و ذاك الطغيان، يبقى مستقبل السودان مرهونًا بإرادة حقيقية تضع الإنسان أولًا، و تعيد بناء الدولة على أسس من القانون و العدالة و الكرامة.. لأجل استدامة السلام و ترسيخ مبدأ العدالة.
دمتم بخير و عافية.
الأربعاء 23 أبريل 2025 م Shglawi55@gmail.com


