في مقال الأمس حاولنا أن نقترب من سؤال بدا صادمًا في ظاهره، لكنه ضروري في جوهره: هل ما يحدث في السودان حرب تُخاض؟ أم صراع يُدار؟
لم يكن السؤال إنكارًا للمعركة، ولا تقليلًا من التضحيات ولا مراجعةً لحق الدولة في الدفاع عن نفسها، بل محاولة للخروج من أسر المشهد المباشر إلى قراءة ما يحدث في طبقاته الأعمق.
واليوم، بعد تأمل أولي في كتاب الحرب العادلة، بدا لي أن السؤال يحتاج خطوة إضافية:
ليس فقط: ما الذي يحدث؟
بل: هل ما يحدث ما يزال يتحرك داخل منطق الحرب أم أنه بدأ يتحول إلى منطق آخر؟
لأن أخطر ما في الصراعات المعاصرة أنها لا تنتصر دائمًا بالسلاح، أحيانًا تنتصر حين تُقنع الجميع أن استمرارها أمر طبيعي.
في فلسفة الحرب العادلة لا يكون السؤال الأول: من أطلق الرصاصة الأولى؟ ، بل: إلى أين تقود الحرب بعد أن تبدأ؟
وهنا ربما تبدأ واحدة من أكثر الزوايا أهمية في قراءة الواقع السوداني.
في الحرب التقليدية تكون الغاية واضحة وهي تحقيق هدف سياسي ثم العودة إلى وضع أكثر استقرارًا ، لكن في الصراعات الممتدة تظهر ظاهرة مختلفة إذ تتراجع الغاية، وتتمدد الحالة ويتحول السؤال من: كيف ننهي الحرب؟
إلى: كيف نتكيف معها؟
وهنا تبدأ نقطة التحول.
● حين يصبح الاقتصاد قادرًا على التعايش مع الأزمة.
● وحين يعيد المجتمع ترتيب أولوياته حول النجاة لا البناء.
● وحين تصبح الهجرة مشروعًا أكثر واقعية من الانتظار.
● وحين تتحول الخدمة العامة من حق مؤسسي إلى جهد فردي.
● وحين يبدأ الناس في قياس الأمان بالأشخاص لا بالدولة. هنا لا يعود الصراع حدثًا، بل يبدأ في التحول إلى بيئة.
ولأن معيار النجاح في الحروب الحديثة لا يقاس فقط بالتقدم العسكري بل بقدرة الدولة على استعادة وظائفها ، في هذه اللحظة تحديدًا يصبح سؤال الحرب العادلة الأكثر إلحاحًا: إذا كانت الحرب تُخاض لاستعادة الدولة فكيف نقرأ وضعًا تتراجع فيه قدرة الدولة على العودة رغم استمرار القتال؟
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالجغرافيا، بل بالزمن، لأن أحد أخطر تحولات الصراع السوداني أن مركز الثقل لم يعد من يسيطر على أين، بل من يستطيع أن يمدد إلى متى.
كل شهر إضافي لا يضيف فقط أرقامًا جديدة للخسائر، بل يعيد تشكيل المجتمع نفسه:
○ تتغير أنماط المعيشة.
○ تتغير شبكات الثقة.
○ يتآكل رأس المال الاجتماعي.
○ ويضيق أفق التخطيط.
○ وتتحول النجاة الفردية من استثناء إلى نموذج حياة.
وهنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن سؤال النصر: إذا استمرت الحرب طويلًا بما يكفي، هل سنستعيد الدولة فعلًا أم سنكتشف أننا تعلمنا العيش من دونها؟
وهنا لا يصبح التحدي فقط في السلاح، بل في الإدراك.
وربما لهذا بدا سؤال سابق في أصل القضية: (السودان… لعنة النجاة ووهم الانتصار) أكثر حضورًا اليوم من أي وقت مضى. لأن بعض أخطر الصراعات ليست تلك التي تغيّر خرائط الأرض، بل تلك التي تغيّر خرائط الوعي.
○ حين نبدأ في تفسير الظواهر عبر المناطق بدل البنى.
○ وحين تصبح الصور الذهنية أقوى من الحقائق.
○ وحين يتحول الاختلاف السياسي إلى فرز اجتماعي.
○ وحين تُختزل الأزمة الوطنية في هويات جزئية.
في تلك اللحظة لا يصبح الخطر أن نخسر الحرب، بل أن نخسر القدرة على العودة إلى مجتمع سوداني واحد بعدها.
ومن هنا تأتي أهمية سؤال الدولة ليس: من يحكم؟
بل:
● كيف تُبنى الدولة بعد أن يطول الصراع؟
● كيف تعود القوة إلى مرجعيتها؟
● كيف يعود المواطن إلى مركز المعادلة؟
● كيف نمنع أن يتحول حمل السلاح من ظرف استثنائي إلى تعريف دائم للانتماء؟
في رؤية الجسر والمورد… لا يكفي أن تتوقف المعركة ولا يكفي أن تُستعاد المدن؛ الرهان الحقيقي هو ألا يخرج السودان من الحرب بمنطق جبهات مستقرة، بل بمنطق دولة متماسكة:
● دولة تستعيد احتكارها المنظم للقوة.
● وتعيد بناء الثقة.
● وتنتج مواطنًا قادرًا على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة وجودية.
ولهذا ربما لم يعد السؤال الأهم:
متى تنتهي الحرب؟
بل: هل ما نفعله اليوم يقربنا من السلام… أم يجعل الصراع أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن تطول الحرب، بل أن يعتاد السودانيون أن الحياة لا تُدار إلا داخلها…
وهنا بالضبط أصل القضية


