Popular Now

وجه الحقيقة | برلين… أزمة جيل أم عطب فكرة؟.. بقلم: إبراهيم شقلاوي

مؤتمر برلين 15 أبريل 2026: اختبار الحقيقة لا إدارة الأزمة .. بقلم: إبراهيم كرار – برلين

حكاية الجغرافيا .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير و مستشار في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

ملحمة الصمود .. الهدية التي قدّمتها لنا الإمارات وهي لا تدري!! .. بقلم/ د.الدرديري محمد احمد

قرأت مقالا رائعًا للدكتور (كرار التهامي) استعرض فيه صمود لندن تحت قنابل القصف النازي في الحرب العالمية الثانية. و هي قصة جديرة بالوقوف عندها و استخلاص العبر منها.

و قد عرفت البشرية قصص الصمود الأسطوري منذ أمد بعيد، و من أشهر ذلك صمود مدينة صور اللبنانية عام ٣٣٢ م في وجه الأسكندر الأكبر لمدة سبعة أشهر مستخدمة تحصيناتها البحرية و لا تزال تلك القصة حية في وجدان أهل غزة.

و بالرغم من أن ملاحم الصمود تشبه بعضها في الكثير من الملامح، إلا أنه لكل منها شخصيتها المتميزة التي تجعلها تتفرد بجانب ما .. لذا رأيت أن أضيف في هذا المقال ثلاث قصص لقصة لندن هي:
_معركة إستالينغراد،
_و حصار سراييفو،
_ثم حصار غزة الراهن.
مستعرضًا ما ميز كل ملحمة من هذه الملاحم.
و في الختام يشير المقال للفرصة النادرة التي تأتَّت بسبب الاستهداف الإماراتي لتحويل معركة الكرامة الى ملحمة أسطورية من الصمود و البأس.

■ تعتبر معركة إستالينغراد إحدى أعنف المعارك في التاريخ البشري، ففي صيف 1942، أطلق الزعيم النازي أدولف هتلر حملة هجومية كبرى نحو الجنوب الشرقي للاتحاد السوفيتي بهدف الاستيلاء على حقول النفط في القوقاز.

لكن في طريقه إلى هناك، كانت تقف مدينة إستالينغراد (فولغوغراد اليوم) عائقاً رمزياً و إستراتيجياً.

لم تكن المدينة مجرد هدف عسكري، فهي كانت تحمل اسم الزعيم السوفيتي “ستالين” و لذلك تحولت إلى رمز لصراع الإرادة بين هتلر و ستالين.

قرر هتلر أن يسحق المدينة بأي ثمن، بينما أصدر ستالين أوامره الشهيرة: “لا خطوة إلى الوراء” !

استهلت المعركة، التي بدأت في أغسطس 1942 و استمرت حتى فبراير 1943، بقصف جوي عنيف دمّر المدينة بأكملها و حوّلها إلى ركام، لكن بين الأنقاض، تحصّن الجنود و المدنيون السوفييت كل شارع، كل غرفة، و كل قبو أصبح ميدان معركة .. فكان القتال وجهاً لوجه، و لعب القناصة دوراً محورياً و كان أشهرهم القناص السوفيتي (فاسيلي زايتسيف) الذي أصبح أسطورة تروى.

لم يغادر المدنيون المدينة بل شاركوا في القتال و عملوا في المصانع الحربية رغم القصف، و صمدوا في الشتاء دون مأوى في درجات حرارة وصلت إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر.

في نوفمبر 1942، نفذ الجيش الأحمر عملية “أورانوس” التي طوق بها الجيش السادس الألماني فأصبح أكثر من 300,000 جندي ألماني محاصرين وسط الشتاء القاسي، دون مؤن أو إمدادات. و بالرغم من أن هتلر أمرهم “بالصمود حتى الموت”، إلا أن الجوع و البرد و القصف أنهكهم.

و في 2 فبراير 1943، استسلم قائدهم (باولوس)، رغم ترقيته إلى رتبة مشير لمحاولة منعه من ذلك. فأصبح أول مارشال ألماني يُؤسر حيًّا.

تشير تقديرات الضحايا إلى انه سقط أكثر من مليوني شخص من الجانبين بين قتيل و جريح و أسير، و في النهاية انتصرت إستالينغراد في وجه التفوق العسكري النازي و بدأ بعدها الجيش الألماني بالتقهقر لأول مرة.

ما يجعل صمود استالينغراد مميزًا ليس فقط تحقيق النصر المستحيل، بل الطريقة التي تحقق بها. فالمدنيون قاتلوا جنباً إلى جنب مع الجنود، و لم يتراجع أحد رغم الجوع و البرد و القصف المتواصل.

كما تميز صمود إستالينغراد بالإرادة الجماعية التي جعلت من مدينة مدمّرة قلعة حية للمقاومة. أصبحت إستالينغراد درساً في أن الحرب لا تُحسم فقط بالسلاح، بل بالصبر والعقيدة.

أسقطت إستالينغراد خرافة التفوق النازي، و فيها أثبت الإنسان أنه قادر – رغم الضعف والدمار – على تحدي أقوى الآلات العسكرية، حين يمتلك الإيمان بالأرض و الحق والكرامة.

و إذا كان انتصار إستالينغراد قد تحقق بسبب توقف كل أوجه الحياة الأخرى، فإن انتصار سراييفو – الذي نتناوله أدناه – قد تأتى رغم الاصرار على ان تستمر الحياة.

■ في عام 1992، أعلنت البوسنة و الهرسك استقلالها عن يوغوسلافيا مما أشعل غضب القوميين الصرب الذين سعوا لضم أراضيها إلى “صربيا الكبرى”.

و في 5 أبريل من العام نفسه بدأت القوات الصربية فرض حصار شامل على سراييفو استمر لمدة 1,425 يوماً، و هو أطول حصار في التاريخ الحديث.

طُوِّقت سراييفو من جميع الجهات، و اتخذت القوات الصربية مواقعها على المرتفعات التي تحيط بالمدينة لتحكم السيطرة عليها تمامًا بكثافة النيران.

كانت القذائف تمطر شوارع سراييفو يومياً بمعدل وصل احيانا إلى أكثر من 3,700 قذيفة.

إلى جانب القصف، نُصِب القناصة على أسطح المباني يحصدون أرواح المدنيين العُزّل عندما يخرجون من بيوتهم لجلب الماء و الغذاء و الدواء و باتت شوارع مثل “شارع القناص” رمزاً للرعب المستمر.

و مع مرور الأيام و انقطاع الكهرباء و الماء و الغاز تحول البقاء على قيد الحياة إلى معركة يومية.
استخرج الناس الماء من الآبار القديمة، و جمعوا الحطب من أنقاض المنازل، و اقتاتوا على الأعشاب، بل حتى لحاء الأشجار.

راح ضحية الحصار حوالي 11,000 مدني. جُرح عشرات الآلاف، و تعرض الآلاف لإعاقات دائمة. كانت المرافق الحيوية من مستشفيات و مدارس وأسواق هدفاً للقصف المتكرر في خرق فاضح للقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية.

لم تستسلم سراييفو قط للصرب رغم حصارهم القاسي. لكن ما ميز حصار سراييفو و جعل منه ملحمة خالدة ليس الصمود على عظمته و إنما ان سراييفو رفضت الموت البطيء.

ففي قلب المأساة لم تتوقف الحياة الثقافية، إذ قاوم السكان ببرنامج “إحياء الثقافة في وجه القذائف” .. حيث
أُقيمت حفلات موسيقية،
وعُرضت مسرحيات،
و احتُفل بالمهرجانات السينمائية، في الأقبية و تحت القصف.

و قاوموا باستمرار المدارس تحت الأرض، إذ تابع الأطفال تعليمهم في الملاجئ، متحَدّين الموت بقوة العلم.

و قاوموا بأن حفروا نفق الأمل، الذي هو نفق سري بطول 800 متر تحت المطار، لربط المدينة بالعالم الخارجي، و كان شريان حياة لنقل الغذاء و السلاح و المصابين.

و قاوموا بأن أقاموا شبكات التكافل ..
فتعاون السكان في تبادل الحاجات، و تقاسموا لقيمات العيش و الماء و حطب الوقود.

و الأهم من ذلك كله كان برنامج “إيمان لا يُقصف”. إذ تمسّك الناس بإقامة الصلوات الخمس في وقتها في جماعة – رجالا و نساء – و بالتزام دعاء النوازل؛ القنوت .. و هكذا أصبحت العبادة شكلاً من أشكال المقاومة.

رغم فظاعة ما جرى في سراييفو وقفت المنظمات الدولية عاجزة، و تُركت سراييفو وحدها بل فشلت قوات الأمم المتحدة في حمايتها.

لكن الصمود الأسطوري لم يكن لينتظر المجتمع الدولي و ما يتفضل به، فاستمر حتى انتصرت سراييفو بتوقيع اتفاقية “دايتون” للسلام أواخر 1995 و اضطر الصرب لرفع الحصار.

أما ملحمة تحدي الموت و الدمار في غزة فهي الأسطورة التي لا تزال تتخلق، و لا نحتاج لكثير قول في بيان هذا الصمود المعجز. فمنذ عام 2007 يعيش قطاع غزة تحت حصار خانق فرضته إسرائيل، بأن جعلت من القطاع “سجن مفتوح” لأكثر من 2.3 مليون نسمة. و قد أدى الحصار إلى تدهور الأوضاع الإنسانية و الاقتصادية بشكل حاد، حيث ارتفعت معدلات الفقر و البطالة، و انهارت البنية التحتية و تدهورت الخدمات الأساسية.

في 7 أكتوبر 2023، شنت إسرائيل عدوانًا واسع النطاق على غزة، لا يزال مستمرًا. أسفر ذلك العدوان عن استشهاد ما لا يقل عن 50 ألف فلسطينيًا بينهم 30 ألف طفل وامرأة، و إصابة أكثر من 100,000 آخرين.

كما أدى إلى تسوية 70% من منازل غزة بالأرض، فتهجر أكثر من 85% من سكان القطاع، أي ما يزيد على 1.93 مليون مواطن، بعد أن دُمرت منازلهم و لم يعد لهم مكان يعودون إليه.

رغم هذا الدمار الهائل و المعاناة المستمرة، صمد سكان غزة صمودًا أسطوريًا في وجه العدوان، فهم يصرون على البقاء في غزة مهما كلفهم ذلك و مهما كان البقاء فيها جحيمًا.

و استمروا في حياتهم اليومية، و يعملون ما في وسعهم لبناء ما دمر ..
و لا يزالون يتمسّكون بالأمل في مستقبل أفضل إن لم يكن لهم فللجيل القادم.

و هكذا جعلوا ما يحدث في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية، بل اختبار لضمير العالم .. خاصة في ظل استمرار الصمت الدولي و التقاعس عن اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف العدوان و رفع الحصار.

و تظل غزة،ً رغم الجراح، شامخة، تروي للعالم قصة شعب لا يعرف الانكسار.

و قديما قال محمود درويش في قصيدته (بطاقة هوية) التي تحوّلت إلى شعار للكرامة الفلسطينية:
“سجّل! أنا عربي …
و رقم بطاقتي خمسون ألف وأ طفالي ثمانية …. و تاسعهم… سيأتي بعد صيف”.

و قال سميح القاسم في قصيدة (إرهابي):
“تقدّموا … تقدّموا …
كل سماء فوقكم جهنمُ …
و كل أرض تحتكم جهنمُ … تقدّموا”!

و قد أوصاهم (أمل دنقل) من مصر:
“لا تُصالِح !
و لو منحوك الذهب …
أترى حين أفقأ عينيك …
ثم أثبت جوهرتين مكانهما…
هل ترى؟
هي أشياء لا تُشترى”!

و هي مجرد قصيدة ..
لكنها صارت مرجعًا أخلاقيًا للثبات على المبادئ. هذه نماذج من الصمود الأسطوري في عالمنا المعاصر.

فماذا نستفيد منها في التصدي للعدوان الإماراتي!

إنني لا اقول أن الإمارات قادرة على ان تُطبِق على بورتسودان و تدير فيها معركة في ضراوة معركة إستالينغراد.

فالنازي ما كان يقاتل من وراء جدر، فيرمي بالمسيرات من وراء الاف الكيلومترات. و إنما يلتحم التحاماً، رجلًا لرجل.

و لن تجترئ الإمارات على ذلك .. فقد آتى ربنا فرعونها و ملأه زينة و أموالًا في الحياة الدنيا ليضلّوا عن سبيله .. لكنه لم يؤتهم خيلًا و رجِلًا.

و لا هي بقادرة على أن تُحكِم علينا حصارًا كحصار سراييفو ..

و لا هي بقادرة على أن تدك بورتسودان – بله السودان – كما دكت اسرائيل غزة.

لكنها أهدتنا احساسا جديدًا و روحًا جديدة
انه إحساس الملحمة
وإنها روح التحدي..
و لطالما افتقدنا ذلك الإحساس و تلك الروح.

الآن عندما تلبسناهما سارعنا لقطع العلاقات مع الإمارات..

تصوروا أننا لم نقدم على ذلك و الإمارات تفعل بنا كل ما فعلت دعمًا للمليشيا، و ما كان ذلك الا لأنه لم يواتينا ذلك الإحساس و لم توافينا تلك الروح.

بل حتى ونحن نقاضي الامارات وننسب لها أكبر جريمة عرفتها البشرية لم نقطع معها العلاقات .. ومن ثم فقطع العلاقات هو أول الغيث.

بل زالت منا غشاوة كانت تُعشي ابصارنا..
فنحن ندرك الآن ان معركة الامارات ليست مع الحركة الاسلامية كما تقول الأبواق.. وهي ليست مع جيش يسيطر عليه الاسلاميون

وانما هي معركة تستهدف كرامة السودان وقراره المستقل وسيادته الوطنية.

إذ لن يشفي غليل الإمارات أن يستقيل البرهان … و إن استقال و معه ألف من قيادات الجيش.

و لن يرضيها أن يُعدم (كرتي) .. و لو أعدم و معه من معه من قيادات الإسلاميين.

و إنما هي تود التحكم في قرار السودان، و ذهبه، و موارده، و أرضه و بحره.

فبعد أن انهزمت المليشيا و أعوانها عسكريًا – و دُكت قاعدتها الخلفية في نيالا دكًّا دكّا – فإن الإمارات تسعى اليوم لفرض أزلامها علينا بذراعها الطويلة. و من ثم علم السودانيون أن الهدف هو السودان و ليس “الكيزان”.

ها هي الخديعة قد انكشفت … و ما عادت لتنطلي على أحد … فماذا نصنع!

لا أود أن أقف واعظًا بشأن ما ينبغي فعله بعد أن بعث اعتداء الإمارات هذه الروح الجديدة.

لكنه صار واضحًا أننا اليوم لم نعد نأبه للأمارات أو لما تحب أو تكره.

و لم نعد ننتظر من المجتمع الدولي – إن كان لا يزال هناك كائن بهذا المسمى – أي دور يكف به أذى الإمارات عنّا.

إذا كان ذلك كذلك
فما بالنا ننتظر!
بل مَن ننتظر!

لماذا لا نعلن تعيين رئيس وزراء أصيل ليشكل حكومة حرب أو طوارئ تدير هذه الفترة!

و لماذا لا نعلن انتقال حكومتنا للخرطوم فتباشر سلطتها من هناك مهما كانت ظروف الخرطوم و مخاطرها.

و لماذا لا نعلن حالة الطوارئ و نعطي الحكومة سلطات الطوارئ.

و لماذا لا نَجمع كافة القوى السياسية في هذا الظرف الدقيق في صعيد واحد، فيتجاوزون المسميات القديمة و الأحزاب و الكيانات و ينشئون تحالف الكرامة من كل الذين اصطفوا وراء الجيش. و لماذا لا نقطع أجلًا قريبًا للانتخابات، عامان أو ثلاثة، فنجريها و لا نبالي.

و لماذا لا نجعل لقضائنا دوائر ناجزة تحاكم من يخونون الوطن أو يخالفون القانون فتصدر أحكامًا تعيد الثقة في القانون و سلطانه.

و لماذا لا نعلن التعبئة العامة فننشئ كتائب الاحتياط تحت راية الجيش بعشرات و ربما مئات الآلاف من المجندين، فيأمن الناس في بيوتهم، و شوارعهم، و أحيائهم، و مدنهم و قُراهم …ضربتها الإمارات أو لم تضربها، استهدفتها المليشيا أو عجزت عن أن تطالها.

و لماذا لا نعلن فتح أبواب جامعاتنا، و مدارسنا، و مصانعنا، و مصارفنا، و مزارعنا و متاجرنا في كل مكان فنُطبِّع الحياة و نحرك الاقتصاد.

و لماذا لا نعيد للحياة صُحُفنا، ورقية و إلكترونية، و إذاعاتنا و قنواتنا، فنقلل من تسقّط الأخبار من (الواتساب و الفيسبوك) و نحد من قدرة الآخرين على تشكيل الرأي العام لدينا.

و لماذا لا تكون لدُعاتِنا ندوات و لقاءات، و لمُقرئينا ليالي للقيام و الدعاء و التضرع.

و لماذا لا تنشط كرة القدم و دورياتها و مبارياتها.

و لماذا لا تكون لشعرائنا ليالي و لمطربينا حفلات و لرسامينا معارض …

كل هذا تحت القصف و رغمًا عنه.. و لماذا ؟ و لماذا ؟ و لماذا! هذه هي روح ما بعد الضربة الإماراتية.. روح ملحمة الصمود.

و هذه هي الهدية التي قدمتها لنا الإمارات و هي لا تدري، بل إن فَعلنا ، يكون هذا هو الرد الأبلغ على الامارات!

المقالة السابقة

أصل القضية … حين دوّى صوت الخرطوم: زلزال المعادلات وإعادة تعريف السودان.. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

السودان: نزيف الدولة وسط تحالفات خفية و تجاهل عالمي .. بقلم/ د.غادة الهادي يوسف أحمد .. تخصص دراسات الكوارث والتنمية الريفية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *