مما لاشك فيه أن السودان دولة غنية بمواردها الطبيعية الهائلة وشعبها الذي يتشكل بقيم شخصية أخلاقية راقية، بالرغم من الحرب الشرسة التي فرضت عليه باهتبال فرضية التباينات والاختلاف بين مكوناته وقبائله المتعددة، ولكنها في الوقت نفسه إذا فهمت على نحو صحيح تبدو في كثير من الأحيان مصدر قوة وإلهام وفرصة لهذا الشعب إذا أدرك نعمة التباين والتنوع، وابتعد بعيدًا قليلًا أو كثيرًا عن هاوية اللا مبالاة المفرطة في غياب الإرادة والعزيمة لقادته ومفكريه وشبابه من الجنسين للتصدي لهذا الانكسار المخطط له بعناية استعمارية فاجرة ماكرة وكأني أرى تمثيلًا بليغًا للآية القرآنية الكريمة ”ولو بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ “ الشوري ٢٧.
ما دفعني لذلك فكرة العالم والاقتصادي الأمريكي مايكل بورتر المشهور في كتابه المطروق بالتحليل عند الاقتصاديين في العالم وهو كتابه بعنوان [[ The competitive Advantage of Nations ]] وترجمته الميزة التنافسية للأمم، و يشير فيه إلى أن بسط النعم وكثرتها ليس دليلًا على عافية وثراء وغني الأمم او الدول (السودان غنى الموارد/اليابان فقر الموارد) … أو كما قال الشاعر [[ قد ينعم الله بالبلوى وأن عظمت *** وقد يبتلي الله بعض القوم بالنعم ]] ، كما أن هناك منظور فلسفي لمفكر جزائري مسلم مشهور هو المرحوم مالك بن نبي الذي يرى أن حتمية التغيير للبناء الحضاري للأمم والدول لا تكون في بعض المناطق من العالم للشعوب التي تقتات وتأكل من الطبيعة، فالحيوان فيها يعيش بمزاج الطبيعة ويسير في مسارب ودروب الرزق بناءً على رحلتي (النشوق والشوقارة) في غرب السودان كمثال بحثًا عن المرعى والماء، وحياة الرجل والأسرة لا تستقر وتستقيم وتقتات وترحل في الوهاد ومصب الأنهار، مثل ما كان وظل يأكل من ثمار الطبيعة على الأرض أو يصيد الأسماك بالطرق التقليدية التي نراها ونشاهدها كثيرًا على قنوات اليوتيوب، أو مثلًا أن يقوم الرجل باصطياد الاسماك من النهر بحربة حديدية مدببة وحادة يصوبها نحو الأسماك في الماء ثم يجذبها نحوه، أو أن يأكل من ثمار الأشجار من فاكهة المانجو حينما تتساقط على الأرض في حدائق وغابات مناطق السودان وأفريقيا، كما في جنوب النيل الأزرق/مناطق قيسان، أو أن يحفر بيديه بعد التحسس عبر جهاز بذبذبات صوتية للحصول على الذهب بكل يسر وسهولة، وهذا شائع جدًا في كل أنحاء السودان في الآونة الأخيرة و هو من أحد الأسباب الرئيسة التي جرت وتسببت في الحرب و الحريق المدمر الذي يضرب السودان وشعب السودان في كل أرجائه الآن بما فيها المناطق والمدن الآمنة التي يضربها الغلاء والجوع والعطش وهي تقع على ضفاف النيل والأنهار ولا تجد شربة ماء صالحة للشرب أو الاستخدامات المختلفة إلا بمشقة وعسر وصعوبة بالغة.
ورغم توفر الموارد الطبيعية فالإنسان السوداني الذي ربته وغذته الطبيعة الغنية المتدثرة بالبلوى والمخاطر المتعاظمة المتمثلة فيما بين الماء الوفير النمير، وجفافه وعدم توفره أحيانًا، والأرض ذات المكونات المتباينة والغنية والذاخرة بمقومات الحياة و النماء والازدهار والإزهار، ولكنها لم تجد القيادة الملهمة الرشيدة ممثلة في حكومات متعاقبة يكسوها الفشل والخنوع والقنوع، وتحرفها عن مساراتها إشباع النفس، والذات، والشهوات والمصالح الشخصية، فحطمت بذلك بنيوية مكون الإنسان الجسدي والروحي والنفسي، فتجاذبته حينًا بتفجير طاقاته الروحية والتعبدية والتي نهبتها وسرقتها بصكوك غفران الدين حينًا، و أرادت نهبها حينًا آخر عن طريق تصورات و أفكار مستوردة غربية فاجرة و إلحادية شركية ونسيت أن الفلسفة والفكرة أيًّا كان مصدرها، ومنبعها ومنشأها هي وحدها القادرة على النحت بالأظافر لإنبات الازهار المثمرة وإن كانت على الصخرة الصماء ولكن عبر التخطيط السليم والإرادة القوية التي لا تلين أو تنكسر.
ومابين التيارين المتصارعين والمتخاصمين لحكم السودان وشعب السودان دون وعي من الشعب وإدراكه بفرض قوانين أرضية من صنع البشر ومشاركة الله في حكمه على من خلق وأوجد. واستلهامًا للآية القرآنية ( 27 ) من سورة الشوري في صدر المقال [[ فإن الله بعباده خبير بصير ]] فإن الحكم لله واجب لأن الحساب فيه دنيوي و أخروي، أما عند أفكار وفلسفات الغرب والشرق المستوردة، فالحساب والعقاب فيها دنيوي فقط، وفي الوقت نفسه تناسوا أو فجروا وطغوا و نسوا أن الدار الآخرة هي الحيوان.
ودمتم في البحث عن الإبرة في كومة قش كبيرة عظيمة في ليالي السودان الكالحة الظلام والإظلام …


