Popular Now

سلسلة: قراءة في مشروع “تأسيس” ومستقبل السودان(1) .. وزير للتعليم العالي فوق أنقاض الجامعات.. من دمّر المؤسسات التعليمية لا يملك حق الادعاء بحمايتها .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

السودان بين غنى موارده الطبيعية وفقر إداراته السياسية ما قبل وبعد استعماره البريطاني .. د. بابكر عبدالله محمد علي

الدعم السريع.. انهيار الركائز وبداية السقوط (1-2) .. د. خالد حسين محمد

سلسلة: قراءة في مشروع “تأسيس” ومستقبل السودان(1) .. وزير للتعليم العالي فوق أنقاض الجامعات.. من دمّر المؤسسات التعليمية لا يملك حق الادعاء بحمايتها .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

قرار يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات أثار قرار رئيس وزراء حكومة “تأسيس” الانتقالية محمد حسن التعايشي بتعيين البروفيسور عيد إبراهيم بريمة وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي موجة واسعة من التساؤلات والانتقادات، ليس بسبب الشخص المعين في حد ذاته، وإنما بسبب التوقيت والظروف والسياق السياسي والعسكري الذي صدر فيه القرار.
ففي الوقت الذي لا تزال فيه الحرب مشتعلة في أجزاء واسعة من السودان، وتعيش الجامعات السودانية واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية، اختارت حكومة “تأسيس” أن تبدأ بتعيين وزير للتعليم العالي، وكأن المشكلة الأساسية التي تواجه البلاد اليوم هي غياب الوزير، لا غياب الجامعات نفسها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما معنى تعيين وزير للتعليم العالي في مناطق تحولت فيها المؤسسات التعليمية إلى أطلال؟ وما هي الرسالة التي تريد حكومة “تأسيس” إيصالها للسودانيين من وراء هذه الخطوة؟
من خرب الجامعات؟
قبل الحديث عن التعليم العالي ووزارته، لا بد من الإجابة على سؤال جوهري:
من الذي تسبب في تدمير البنية التحتية للجامعات السودانية؟
من الذي حوّل بعض المؤسسات التعليمية إلى مواقع عسكرية ومناطق اشتباكات؟
من الذي تسبب في تعطيل الدراسة لآلاف الطلاب والطالبات؟
ومن الذي دفع عشرات الآلاف من الأكاديميين والطلاب إلى النزوح واللجوء داخل السودان وخارجه؟
هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها عبر قرارات سياسية أو تعيينات وزارية، لأن الواقع الماثل أمام السودانيين يقول إن التعليم كان أحد أكبر ضحايا الحرب.
لقد فقد آلاف الطلاب سنوات من أعمارهم الدراسية، وتعرضت منشآت تعليمية عديدة للتخريب والنهب، وتوقفت العملية التعليمية في مناطق واسعة من البلاد، بينما ظلت الحكومة السودانية والولايات الآمنة والمؤسسات التعليمية الوطنية تبذل جهوداً كبيرة لاستمرار الدراسة وعقد الامتحانات وإنقاذ العام الدراسي.
هل التعليم أولوية أم محاولة لصناعة شرعية سياسية؟
تبدو خطوة تعيين وزير للتعليم العالي جزءاً من محاولة بناء هياكل دولة موازية أكثر من كونها استجابة حقيقية لاحتياجات المواطنين.
فالشعوب لا تقاس بعدد الوزراء الذين يتم تعيينهم، وإنما بقدرتها على توفير الأمن والخدمات وحماية حياة الناس.
ومن هنا يبرز سؤال آخر:
هل أصبحت قضية التعليم العالي أولوية لدى قوات متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين؟
هل أصبح إنشاء الوزارات أكثر إلحاحاً من معالجة آثار الحرب الإنسانية؟
وهل يحتاج المواطن السوداني اليوم إلى وزير جديد أم إلى الأمن والاستقرار وعودة الخدمات الأساسية ووقف النزيف الإنساني؟

جنوب السودان.. درس في الواقعية السياسية
عندما نال جنوب السودان استقلاله بعد استفتاء شعبي اعترف به العالم، لم تتجه الدولة الجديدة فوراً إلى إنشاء منظومة تعليمية منفصلة بالكامل.
بل استمرت لفترة طويلة في الاعتماد على الشهادة السودانية لما تمثله من قيمة أكاديمية وتاريخية وإقليمية معترف بها.
وكان ذلك تعبيراً عن فهم واقعي لطبيعة بناء الدول والمؤسسات.
أما اليوم فإن بعض القوى السياسية والعسكرية تحاول القفز فوق الحقائق الموضوعية، عبر إنشاء مؤسسات موازية وإصدار قرارات تحمل طابع الدولة دون امتلاك مقوماتها الأساسية على الأرض.

أين المفقودون؟
إذا كانت حكومة “تأسيس” تريد بالفعل مخاطبة وجدان السودانيين، فإن أول مؤتمر صحفي يجب أن يتناول قضية المفقودين والمحتجزين.
ينبغي أن تسأل الأسر السودانية قبل أي شيء آخر:
أين أبناؤنا؟
أين الآلاف الذين اختفوا خلال الحرب؟
ما مصير الذين تتحدث أسرهم عن موتهم جوعاً أو مرضاً داخل أماكن الاحتجاز؟
وما هي الإجراءات التي اتخذت لكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية وإلحاحاً من الإعلان عن وزير جديد أو وزارة جديدة.
الطلاب الذين حُرموا من التعليم
المأساة الحقيقية ليست في غياب وزارة التعليم العالي، وإنما في حرمان أجيال كاملة من حقها في التعليم.
ففي العديد من المناطق التي شهدت العمليات العسكرية تعطلت الدراسة بصورة كاملة، وأجبر الطلاب على النزوح أو ترك مقاعد الدراسة.
وفي المقابل سعت مؤسسات الدولة السودانية والجيش والقوات المساندة وحكومات الولايات الآمنة إلى توفير بيئات بديلة لاستمرار العملية التعليمية وإجراء الامتحانات والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار الأكاديمي.
ومن المفارقة أن بعض الجهات التي تتحدث اليوم عن التعليم كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر في تعطيله بالأمس.

بناء الجامعات أولاً.. ثم تعيين الوزراء
إن بناء مؤسسات التعليم العالي لا يبدأ بتعيين وزير، بل يبدأ بحماية الجامعة والطالب والأستاذ والكتاب والمعمل وقاعة الدراسة.
ويبدأ بإعادة الإعمار، وتعويض الطلاب عن سنوات الحرب، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وضمان حرية الحركة، وتوفير الأمن للمجتمعات المحلية.
أما إنشاء المناصب الوزارية في ظل غياب هذه المقومات فإنه يظل أقرب إلى محاولة إنتاج مشهد سياسي وإعلامي منه إلى مشروع حقيقي لإنقاذ التعليم.

خاتمة
يبقى تعيين وزير للتعليم العالي في حكومة “تأسيس” خطوة رمزية تثير كثيراً من التساؤلات حول الأولويات الحقيقية للمشروع الذي تقوده.
فالسودانيون اليوم لا يسألون عن أسماء الوزراء بقدر ما يسألون عن الأمن والسلام وعودة الخدمات وكشف مصير المفقودين وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وعندما تعود الجامعات إلى رسالتها العلمية، وتفتح أبوابها أمام الطلاب، وتتحول ساحاتها من ميادين للصراع إلى منارات للعلم والمعرفة، عندها فقط يصبح الحديث عن وزير للتعليم العالي حديثاً منطقياً ومفهوماً.
أما قبل ذلك، فإن السؤال سيظل قائماً:
كيف يمكن الحديث عن إدارة التعليم العالي بينما لا تزال آثار الحرب ماثلة في الجامعات والبيوت وذاكرة السودانيين؟

المقالة السابقة

السودان بين غنى موارده الطبيعية وفقر إداراته السياسية ما قبل وبعد استعماره البريطاني .. د. بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *