Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

رسالة وطنية في بريد كامل إدريس .. نحو خارطة طريق للنهوض بالسودان عبر الزراعة .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. مدرب وأستاذ التنمية والإدارة

بعد طول انتظار وتعثّر، استقبل الشعب السوداني تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا للوزراء، وسط آمال عريضة في إحداث نقلة نوعية تنقذ البلاد من أزماتها المتفاقمة، وتضعها على مسار التنمية والاستقرار. ومع ترحيبنا بهذه الخطوة التاريخية، فإننا نرى أن الزراعة — بما تحمله من إمكانات كامنة ومظالم مزمنة — ينبغي أن تكون رافعة أولى في برنامج حكومة الدكتور إدريس، ومحورًا مركزيًا في أي مشروع وطني جاد لإعادة بناء السودان.

أولًا: تشخيص علمي للواقع الزراعي
رغم أن السودان يُعد من أغنى دول العالم من حيث الموارد الزراعية، إلا أن الواقع الزراعي الراهن يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة. فالسودان يمتلك أكثر من 175 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، لا يُستغل منها فعليًا سوى أقل من 25%، الأمر الذي يدل على ضعف في التخطيط وسوء إدارة الموارد. كذلك، تتوفر مياه نهرية وجوفية تُقدّر بأكثر من 30 مليار متر مكعب سنويًا، إلا أن غياب البنية التحتية الملائمة، وسوء إدارة شبكات الري، حال دون الاستفادة منها بصورة فعّالة، حيث ما زال الاعتماد الأكبر على الزراعة المطرية التي تتأثر بتغيرات المناخ، مما يجعل الإنتاج غير مستقر ومحدودًا.

أما الثروة الحيوانية، فتُقدّر بأكثر من 130 مليون رأس تشمل الأبقار والإبل والضأن والماعز، وهي واحدة من كبرى الثروات في القارة، لكن الاستفادة منها لا تزال ضعيفة نتيجة لغياب التصنيع الحيواني وسوء التسويق وضعف مراكز البحوث البيطرية، فضلاً عن ضعف القيمة المضافة في سلاسل الإنتاج. وعلى الرغم من أن الزراعة تُعد مصدر الرزق الرئيسي لما يتراوح بين 60 إلى 70% من القوى العاملة السودانية، إلا أن شريحة المزارعين والرعاة تعاني من تدني مستوى الدخل، وضعف الحماية الاجتماعية، والعطالة الموسمية، مما يؤدي إلى الهجرة من الريف إلى المدن، ويُسهم في تفكك النسيج الاجتماعي.

وتتعدد الأسباب التي قادت إلى هذا التدهور في القطاع الزراعي، من أبرزها غياب السياسات القومية الزراعية المستقرة، وعدم وجود رؤية وطنية موحدة للتنمية الزراعية المستدامة. كما أن التمويل الزراعي ما زال تقليديًا وقاصرًا عن تلبية احتياجات المنتجين، خاصة صغار المزارعين. ويُضاف إلى ذلك انهيار البنية التحتية من طرق وكهرباء وشبكات مياه وأسواق تجميع، إلى جانب ضعف منظومة الإرشاد الزراعي، وغياب التقانات الحديثة واعتماد الزراعة اليدوية التي لا تواكب متطلبات الإنتاج الكمي أو النوعي.

كل هذه العوامل مجتمعة جعلت الزراعة السودانية قطاعًا واعدًا لكنه مكبلًا، عاجزًا عن لعب دوره المفترض كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحجر زاوية في تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار السياسي.

ثانيًا: الزراعة كمدخل استراتيجي للتنمية والاستقرار
لا يمكن تحقيق السلام الحقيقي، ولا تنمية مستدامة، في السودان بدون إصلاح جذري وشامل للقطاع الزراعي. فالزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي العمود الفقري للتماسك الاجتماعي، والاستقرار الريفي، ووقف نزيف الهجرة، وضمان الأمن الغذائي والوطني. ونجاحات الصين والبرازيل وإثيوبيا خير شاهد على أن الزراعة يمكن أن تكون البوابة الكبرى للنهوض.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن الاستثمار في الزراعة يعيد توزيع الثروة بعدالة، ويقلل التفاوت الجهوي، ويخلق فرص عمل حقيقية بأقل التكاليف، ويُسهم في تقليل النزاعات عبر تحفيز النمو المحلي وتقوية النسيج الاجتماعي.

ثالثًا: ما المطلوب من حكومة الدكتور كامل إدريس؟
نقترح على رئيس الوزراء الجديد أن يُطلق برنامجًا قوميًّا طموحًا تحت عنوان:
“السودان الأخضر: الزراعة أولًا”، ويعتمد على المحاور التالية:

إصلاح السياسات الزراعية: وضع رؤية وطنية واضحة تُعلي من قيمة الأرض والمنتج، وتتبنّى التخطيط طويل المدى.

رفع التقانة الزراعية: بالشراكة مع الصين والدول الصديقة لتوطين تقنيات الري، البذور المحسنة، الزراعة الدقيقة، والتصنيع الزراعي.

تمويل مستدام وميسر: عبر تأسيس بنك زراعي تنموي حديث، وتشجيع الصناديق السيادية والاستثمارات الخليجية الموثوقة.

بنية تحتية محفّزة: تأهيل الطرق الزراعية، توفير الكهرباء للطلمبات، وإنشاء أسواق حديثة للتصدير والتخزين والمعالجة.

التوسع الرأسي في الزراعة: زيادة الإنتاجية في المساحات الحالية من خلال المعرفة والتقانات، بدلًا من التوسع الأفقي فقط.

تحفيز الشباب: عبر التدريب، تقديم منح للمشروعات الريفية، وربط التعليم الزراعي بسوق العمل.

الحوكمة والشفافية: مراجعة ملفات الأراضي الزراعية الكبيرة، وضبط عمليات التخصيص والتمويل ومراقبة الأداء.

تفعيل دور الجاليات السودانية: في تمويل مشروعات زراعية إنتاجية عبر آليات تضمن الربحية والمساهمة الوطنية.

رابعًا: استشراف مستقبل السودان الزراعي
إن الرؤية المستقبلية للزراعة في السودان يجب أن تكون طموحة، تجعل من البلاد سلة غذاء حقيقية للعالم العربي وأفريقيا، ومركزًا لتصدير اللحوم والمحاصيل العضوية والمنتجات الحيوانية المصنعة. ويمكن للسودان — إذا ما وُضعت السياسات الصحيحة — أن يُضاعف صادراته الزراعية خلال خمس سنوات، ويوفر ملايين فرص العمل، ويعيد التوازن للميزان التجاري، ويحقق الأمن الغذائي الوطني والإقليمي.

إن الاستثمار في الزراعة ليس خيارًا بل ضرورة قومية ملحّة، وهي المهمة التي نضعها في بريد الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، مؤمنين بأنه يمتلك الإرادة والفكر والشرعية الأخلاقية لقيادة هذه النهضة.

ختامًا،
ليست هذه الرسالة سوى نداء وطني مخلص، نبع من قناعة راسخة بأن مفتاح الخروج من أزمات السودان المتشابكة يبدأ من الأرض والمحراث والمزرعة، وأن الزراعة هي الحل. وقد آن الأوان ليتحوّل هذا القطاع من حقل للوعود إلى رافعة للنهوض والبناء والسلام.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 5537 بتاريخ 22 مايو 2025 .. نعم كامل ادريس ، يستطيع انزال مائدة من السماء !!!!

المقالة التالية

أصل القضية .. من برلين إلى الخرطوم .. طريق الأعمال إلى قلب أوروبا .. محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *