في الثامن من مايو من العام 2025 كتب مقالا تحليليا سياسي اقتصادي بعنوان البقاء للاقوى وتحدثت فيه عن ضرورة التحالفات الاستراتيجية مع دول معينة تمثلت في (روسيا، تركيا، الصين ،مصر ، وقطر ) وتحدثنا فيه عن دور كل دولة و في التحالف و تحقيق مبدأ المصالح المشتركة الاستراتيجية و الآن نعيد بعض من النقاط اكثر تفصيلا بعد اعلان الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على السودان وكيفية تحويلها من محنه الى منحه(من تهديد الى فرصة )، حيث تمثل العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان منذ تسعينيات القرن الماضي واحدة من أعقد أدوات الضغط الجيوسياسي التي أثرت بعمق على الاقتصاد السوداني وساهمت في عزله عن النظام المالي العالمي. وعلى الرغم من تخفيف بعضها في السنوات الأخيرة، لا تزال اثارها المباشرة وغير المباشرة تقيد حركته في التجارة والاستثمار والتحويلات المالية والتكنولوجيا، مما يصعب من جهود التنمية وإعادة الإعمار بعد الحرب.
ومن خلال ذلك هناك آثار للعقوبات الأمريكية على السودان اقتصاديا و سياسيا و تتمثل في الاتي :
أولا: أثر العقوبات الأمريكية على الاقتصاد والسياسة في السودان
1. تقييد النظام المالي: تم حرمان السودان من التعامل مع النظام المصرفي العالمي (SWIFT)، مما أعاق التحويلات البنكية والاستثمار الأجنبي.
2. تجفيف موارد التنمية: تأثرت مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية نتيجة توقف المعونات الدولية والقروض التنموية.
3. تشويه صورة السودان دوليا: تم ربط السودان بالإرهاب والفساد السياسي، مما أفقده جاذبيته كموقع استثماري.
4. تعقيد المسارات السياسية الداخلية:دفعت العقوبات النخب الحاكمة إلى تقديم تنازلات خارجية، مما قاد إلى تصدعات في الهوية السياسية والسيادة الوطنية.
ثانيا: التحولات الجيوسياسية وتغير ميزان القوى العالمي:في ظل التراجع النسبي للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، وصعود قوى جديدة مثل روسيا والصين، بالإضافة إلى قوى إقليمية ذات ثقل و وزن إقليم مثل تركيا، مصر، وقطر، بات من الممكن للسودان أن يعيد تشكيل علاقاته الخارجية على أسس أكثر توازنا وتنوعا.
ثالثا: استراتيجية التحالفات الذكية للخروج من عباءة العقوبات
1. روسيا:توقيع اتفاقية دفاع مشترك تسمح بتبادل المعلومات العسكرية والتدريب، وربما إقامة قواعد لوجستية بحرية على البحر الأحمر.مع تعزيز التعاون في مجالات التعدين والطاقة النووية السلمية، والاستفادة من الفيتو الروسي في مجلس الأمن لإبطال أي قرارات مستقبلية ضد السودان.
2. الصين:الشراكة في مبادرة (الحزام والطريق) لتنفيذ مشاريع بنى تحتية استراتيجية في الموانئ والطرق ، وتوقيع اتفاقات ضمان استثماري وسيادي تسمح للصين بالاستثمار في النفط والزراعة والتصنيع دون المرور بالنظام المالي الغربي ، وإدخال العملة الصينية (اليوان) في التعاملات الثنائية لتجاوز العقوبات المصرفية.
3. تركيا:تفعيل الاتفاقيات العسكرية والأمنية لتأمين السواحل والحدود، وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب، باستقطاب الشركات التركية للاستثمار في الصناعات التحويلية والبنية التحتية، وإنشاء مجلس تنسيق اقتصادي تركي-سوداني لقيادة الاستثمارات وتبادل الخبرات الإدارية.
4. مصر:التنسيق الأمني والدفاعي المشترك على الحدود الغربية والشرقية، بشراكة اقتصادية ثلاثية(سودان-مصر-جنوب السودان) في مشاريع زراعية ومائية مشتركة،بدعم الموقف السوداني في المنظمات الإقليمية (الجامعة العربية، الكوميسا) لتقوية النفوذ الدبلوماسي.
5. قطر:تحفيز الاستثمارات القطرية في مجالات الزراعة والبنوك الإسلامية والسياحة، ودعم المشروعات المجتمعية والتنموية ما بعد الحرب لتعزيز الاستقرار الداخلي، بدور سياسي دبلوماسي في الوساطات الدولية لتخفيف الضغوط على السودان.
رابعا: حلول سياسية قابلة للتنفيذ:
1. تبني مبدأ (الحياد الإيجابي) في السياسة الخارجية، مع رفض الانحياز لمحور ضد آخر.
2. بناء تحالفات إقليمية ناعمة تركز على التنمية والأمن المشترك لا المواجهة العسكرية.
3. تطوير نظام مالي وطني بديل يتكامل مع أنظمة الدفع الاسيوية والعربية لتجاوز الحصار الغربي.
4. تدويل المظلومية السودانية في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي كأداة لرفع العقوبات بشكل تدريجي وتشكيل كروت ضغط ناعمة على دول التحالف الأمريكي وتورطها في حرب السودان.
5. إصلاح داخلي حقيقي يعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة ويقوي الجبهة الداخلية لصد الضغوط الخارجية.
ومن خلال ذلك يمكن أن نذكر ومخلص بالقول ان الخروج من نفق العقوبات الأمريكية لا يكون بالارتهان للقوى الكبرى ولا بالتبعية، بل عبر صياغة سياسة خارجية ذكية ومتوازنة تحفظ السيادة، وتبني على المصالح المتبادلة، وتؤسس لتحالفات استراتيجية قائمة على الدفاع المشترك والتنمية المستدامة. السودان، بما يملكه من موقع وثروات وشعب واعي، قادر على إعادة تشكيل مستقبله بعيدا عن الهيمنة، شرط توفر الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
(الذكاء السياسي مطلوب … السيد رئيس الوزراء… تحدي آخر في اجندتك)


