Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

وجه الحقيقة … كينيا: المتغيرات الجيوسياسية تعيد رسم التعاون .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

تنطلق غداً، الثامن عشر من يونيو 2025، فعاليات المنتدى الإقليمي الثالث لأصحاب المصلحة المبتكرين في العاصمة الكينية نيروبي، بتنظيم من المكتب الإقليمي الفني لحوض النيل الشرقي (ENTRO). يعكس هذا المنتدى الذي يُعقد تحت مظلة مبادرة “التعاون في حوض النيل من أجل التكيف مع تغير المناخ (NCCR)”، تحولاً نوعياً في آليات إدارة الحوار الإقليمي حول قضايا المياه والمناخ، وسط تحديات جيوسياسية آخذة في التداخل.

المنتدى محاولة لإعادة هيكلة البنية الذهنية و السياسية للتعاون بين دول حوض النيل الشرقي. في وقت تواجه فيه المنطقة مجموعة من التحولات المناخية الحادة، إضافة إلى تشابك المصالح المائية، مما يجعل من الضروري تجاوز نماذج التفاوض التقليدية نحو صيغ أكثر ابتكارًا تتسم بالمرونة و التعدد في مصادر التأثير.

السودان، كإحدى الدول المحورية في الحوض، يدخل هذا المنتدى مسنوداً بتجربة راسخة في إدارة الموارد المائية، و دور تاريخي ممتد في محطات التفاوض، ما يجعله فاعلاً لا غنى عنه في أي رؤية مستقبلية للتعاون المائي. و وسط المتغيرات المناخية والسياسية، تبدو الفرصة سانحة لإعادة بناء دور السودان، ليس فقط كدولة ممر، بل كشريك استراتيجي في ترسيخ الاستقرار و التنمية الإقليمية.

في قلب الجغرافيا السياسية لحوض النيل الشرقي، يقف السودان بوصفه دولة ذات موقع استراتيجي لا يُمكن تجاوزه، ليس فقط لكونه دولة ممر أساسية في النظام الهيدرولوجي للنيل، ولكن أيضاً لما يملكه من رصيد سياسي وخبرة تراكمية في إدارة ملفات المياه، تجعله قادراً على لعب دور الجسر بين المصالح المتباينة لدول المنبع والمصب.

لقد شكّل السودان، منذ انخراطه المبكر في مبادرة حوض النيل (NBI)، أحد الركائز الأساسية لمساعي خلق منظومة إقليمية تُعلي منطق التعاون . وقد مكّنه موقعه الجغرافي، وارتباطه المباشر بمناسيب النهر وتقلبات تدفقه، من تطوير أدوات فنية وإدارية متقدمة في إدارة الموارد المائية، تُعد مرجعاً في العديد من المحافل الإقليمية والدولية.

لكن ما يمنح السودان ثقلاً إضافيًا في هذه المرحلة هو قدرته على توظيف رأسماله الدبلوماسي، المستمد من عقود من الانخراط في المفاوضات ، إلى جانب امتلاكه قاعدة من الخبراء التقنيين و الدبلوماسيين المخضرمين الذين شاركوا في محطات حاسمة من اتفاقية 1959 إلى ملفات سد النهضة. كما أن للسودان تجربة معتبرة في مشاركة الموارد عبر الحدود، بما يعزز من فرصه للعب دور الوسيط النزيه القادر على الدفع نحو حلول توافقية.

غير أن هذا الدور لا يُمكن فصله عن السياق الجيوسياسي المركّب الذي يتحرك فيه السودان حالياً، فالوضع الانتقالي الداخلي، بتقلباته الأمنية والسياسية، يُشكل تحدياً أمام تموضع خارجي فاعل، لكنه في الوقت ذاته يخلق دافعاً إضافياً لتعزيز علاقات السودان مع محيطه الإقليمي كمدخل للتهدئة ودفع الانتقال .

في المقابل، يُعاني إقليم حوض النيل من حالة استقطاب سياسي متزايد، خصوصاً مع استمرار التباين بين إثيوبيا ومصر بشأن مشروع سد النهضة، ما يضع السودان في موقف بالغ الحساسية. إذ يجد نفسه في موقع يتطلب توازناً دقيقاً بين حماية مصالحه الوطنية من جهة، والحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع الجانبين من جهة أخرى. وفي هذا السياق، قدم السودان نموذجاً مغايراً في دبلوماسية المياه، يقوم على المبادرة لا الممانعة، وعلى خلق أرضيات مشتركة تسمح بتكامل الأدوار واستغلال الموارد لصالح شعوب البلدان الثلاث .

المنتدى الحالي يُتيح للسودان فرصة فريدة لإعادة توظيف موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي كعنصر ضغط إيجابي باتجاه بناء تفاهمات جديدة حول الموارد المائية، خصوصاً في ظل التحديات المناخية التي باتت تمسّ الجميع دون استثناء. فالتحولات المناخية المتسارعة – من تراجع معدلات الأمطار إلى تقلبات الجفاف و الفيضانات – تفرض منطقًا جديدًا، يُحتم تجاوز السياسات الانفرادية لصالح رؤية تعاونية إقليمية يكون للسودان فيها دور الريادة و القيادة الفاعلة .

يسعى المنتدى إلى تحويل المعطيات الفنية والبيئية المعقدة إلى معرفة سياسية تُسهم في صياغة قرارات أكثر واقعية وارتباطاً بالأمن الإقليمي، لا باعتبار قضايا المياه و المناخ ملفات تقنية فحسب. هذا التوجه يُمهّد لكسر الجمود التفاوضي، من خلال بناء تفاهمات قائمة على حقائق علمية ورؤى تشاركية، خاصة في ظل إمكانية التوافق المحتمل على إنشاء مفوضية مياه النيل. ويكتسب توقيت المنتدى بعداً سياسياً بالغ الأهمية، إذ يعكس تحوّلاً من النُهج المغلقة نحو نماذج أكثر انفتاحاً ودمجاً للأطراف المجتمعية. إنه تعبير عن وعي متزايد بالحاجة إلى سردية جديدة لحوض النيل، تقوم على شراكة المصالح لا التنافس، وتُعيد تعريف “الأمن المائي” كأولوية سياسية إقليمية تتطلب استثماراً في التفاهم قبل البنية.

بحسب ما نراه من وجه الحقيقة يجب أن يُنظر إلى منتدى نيروبي كمنصة إستراتيجية لإعادة بناء مفهوم التعاون في حوض النيل من منظور تشاركي متقدم. و تبدو فرص السودان في هذا السياق واعدة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي أو تاريخه السياسي، بل بسبب قدرته – إذا ما أُحسن توظيفها – على إعادة التوازن لمنظومة التعاون الإقليمي، و تحويل تحديات المياه و المناخ إلى فرص لصناعة مستقبل أكثر استقراراً لشعبه و شعوب الإقليم.
دمتم بخير و عافية.
الثلاثاء 17 يونيو 2025 م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

أصل القضية … الكيانات العربية والإسلامية: صمتٌ طويل … وصبرٌ فارغ .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

الأزمة الصحية في السودان بعد حرب أبريل 2023: تحديات واستراتيجيات التعامل .. بقلم/ د.غادة الهادي يوسف أحمد .. متخصصة في دراسات الكوارث والتنمية الريفية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *