مقدمة
إن الحالة المناخية في السودان والتوقعات الماثلة والمخاوف في ظل موجات الجفاف والتغير المناخي تدعو بشدة للانتباه لمسألة المناخ، المفاهيم، الوقائع، الأدوات السياسات، وما يليها من وضع المناخ والنظم المناخية في مركز سياسات الدولة وفي قمة وعي المجتمع. وللتوجه نحو هدف التوعية بقضية المناخ، آليت أن أكتب وأنبه وأنشر كل ما يمكنني نشره. وهذا تقرير مستخلص من تقرير طويل (5000 كلمة) للكاتب، غايته التعرف على تفاصيل وسلوك المناخ. حيث يمثل المناخ أحد أهم المحددات الاستراتيجية للتنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في السودان.
السودان و المناخ
وقد كتبت من قبل عن مادة الجغرافية، وهي المادة الدراسية التي تنشئ الناشئة على قواعد المعرفة بالمناخ. وأوصيت بأن يرتفع شأنها كمادة علمية، محورية، ثقافية تطبيقية ترفع من وعي الإنسان ببيئته ومؤثراتها.
السودان بلد واسع يمتد من تخوم المنطقة الاستوائية جنوباً إلى الصحراء الكبرى شمالاً، لما يقارب الألفي كيلومتر، وتعبر الشمس السودان حيث تدخل من حدوده الجنوبية لمدة شهرين وتخرج منه في شهرين آخرين. مما يجعله من أكثر الدول تنوعاً مناخياً في أفريقيا. وكذلك يمتد السودان من الشرق للغرب لأكثر من الفي كيلومتر أخرى، بما يعادل 15 درجة بحساب درجات خطوط الطول وهو ما يساوي ساعة زمنية كاملة. هذا إضافة إلى تضاريسه المختلفة وخطوط تقسيم وتوزيع المياه. ومسألة التضاريس في السودان ينبغي أن يلفت لها انتباه خاص، لما تمليه من طبيعة توزيع واستثمار المياه. ينعكس هذا الإتساع، والموقع والتضاريس على التنوع في الزراعة، والثروة الحيوانية، والموارد المائية، والغطاء النباتي وأنماط الاستقرار البشري.
تكتسب المعرفة المناخية أهمية خاصة في ظل تزايد موجات الجفاف والفيضانات والتقلبات المناخية العالمية، الأمر الذي يجعل إدماج المعلومات المناخية في التخطيط والسياسات العامة ضرورة وطنية وليست خياراً فنياً.
المحددات الرئيسة لمناخ السودان
يتأثر مناخ السودان بخمسة عوامل رئيسة مترابطة:
أولاً: الموقع الجغرافي بين خط الاستواء ومدار السرطان، مما يجعل البلاد ضمن النطاق المداري الذي تتحرك فوقه الشمس مرتين (جيئة وذهاباً) سنوياً. مع الوضع المؤثر للصحراء الكبرى كمؤثر على الحرارة والرياح والمطر.
ثانياً: حركة الفاصل المداري الذي يفصل بين الرياح الشمالية الجافة والرياح الجنوبية الرطبة، ويحدد بصورة كبيرة مواسم الأمطار ومداها الجغرافي.
ثالثاً: أنظمة الضغط الجوي العالمية والإقليمية المرتبطة بالمحيطين الهندي والأطلسي والبحر الأحمر.
رابعاً: الظواهر المناخية العالمية مثل النينو واللانينيا التي تؤثر على توزيع الأمطار ودرجات الحرارة في السودان والقرن الأفريقي.
خامساً: تضاريس السودان وارتفاعاته، حيث تؤثر المرتفعات في حركة الرياح وتوزيع الأمطار، كما تؤثر في حركة المياه السطحية والجريان النهري. وقد أفردت منشوراً خاصاً لمسألة التضاريس وخطوط الكنتور.
أما العامل السادس، فهو خاص بانتباه الناس وقدرتهم على استثمار الأنظمة المناخية المختلفة. وذلك يبدأ بالسياسة الاستراتيجية نحو المناخ.
الأقاليم المناخية
على ضوء المؤثرات الخمس المذكورة، ولاغراض البحث والمتابعة ووضع السياسات، تم الإصطلاح إلى تقسيم السودان إلى أقاليم مناخية، تؤدي إلى أنظمة بيئية، ومن ثم تشكل خارطة السودان إلى أقاليم ذات ميزات نسبية مختلفة تدعم أنماطاً مختلفة من الانتاج. عليها يمكن تخطيط أنماط الانتاج وفق تدخلات وتبني نظم إنتاج معلومة.
و تتمثل أقاليم السودان المناخية في أهم خمسة أقاليم مناخية رئيسة، هي:
– إقليم ساحل البحر الأحمر ذو الأمطار الشتوية ويتميز بأنه حار وجاف نسبياً.
– الإقليم الصحراوي الجاف في شمال البلاد.
– الإقليم شبه الصحراوي الذي يشمل الخرطوم، وشمال كردفان ودارفور.
– إقليم السافنا الفقيرة بالأمطار، ويمثل حزام الوسط.
– إقليم السافنا المتوسطة في الأجزاء الجنوبية من البلاد.
ويعني هذا التنوع أن السودان لا يواجه تحدياً مناخياً واحداً، بل مجموعة من التحديات المختلفة تتطلب سياسات متخصصة حسب الإقليم الجغرافي.
الأمطار والتغير المناخي
تشير سجلات الرصد المناخي طويلة المدى في السودان، إلى وجود اتجاه عام نحو تراجع معدلات الأمطار في عدد من المناطق الرئيسية، خاصة في شمال وغرب السودان. وتوضح البيانات التاريخية انخفاضاً ملحوظاً في محطات مثل الفاشر، والأبيض، والجنينة، وكسلا والخرطوم مقارنة بالمعدلات المسجلة في منتصف القرن العشرين. هذه غير موجات الجفاف التي أشتهر بها إقليم السودان، وهو جزء من جغرافية ممتدة من القرن الأفريقي وإلى حزام السهل (الساحل) الأفريقي، الذي يمتد إلى سواحل المحيط الاطلسي في غرب أفريقيا. وقد أوحت تقارير متابعة التغير المناخين ان السودان يقع في اكثر المناطق في العالم تاثراً بظاهرة التغير المناخي.
ويصاحب هذا التراجع ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة وزيادة في عدم انتظام مواسم الأمطار، الأمر الذي يؤدي إلى:
– زيادة مخاطر الجفاف.
– تراجع إنتاجية الزراعة المطرية.
– تدهور المراعي الطبيعية.
– تسارع التصحر وزحف الرمال.
– زيادة الضغط على الموارد المائية.
وتؤكد هذه الاتجاهات أن السودان من أكثر الدول تعرضاً لمخاطر التغير المناخي في أفريقيا.
الفيضانات والجفاف
يمثل السودان حالة فريدة تجمع بين مخاطر الجفاف والفيضانات في الوقت نفسه. فقد شهدت البلاد موجات جفاف شديدة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كما شهدت فيضانات كبيرة في أعوام 1946 و 1988 و 2019.
وتتركز المخاطر في الحزام الأوسط من السودان بين خطي عرض 10 و16 درجة شمالاً، وهو أيضاً الحزام الذي يمثل مركز النشاط الزراعي والرعوي في البلاد.
ومن ثم فإن إدارة مخاطر المناخ يجب أن تتعامل مع الجفاف والفيضانات باعتبارهما وجهين لمشكلة واحدة تلخصها جملة (عدم استقرار المناخ).
الفاصل المداري
لقد صارت مفردة ومفهوم الفاصل المداري جزء من الوعي العام السوداني. وهو المنطقة المناخية الفاصلة بين رياح الشمال، الباردة نسبياً وجافة. ورياح الجنوب الحارة نسبياً ورطبة. إذ يُعد الفاصل المداري المؤشر المناخي الأكثر أهمية في تتبع المناخ في السودان. إذ يرتبط به انتقال موسم الأمطار من الجنوب إلى الشمال خلال فصل الصيف، ثم عودته جنوباً في الخريف. ويؤثر توقيت تقدمه أو تأخره بصورة مباشرة على:
– بداية الموسم الزراعي.
– طول الموسم المطري.
– حجم الإنتاج الزراعي.
وفرة المراعي.
– احتمالات الجفاف أو الفيضانات.
ولذلك ينبغي أن يحظى رصد الفاصل المداري ومتابعته بأولوية قصوى في نظم الإنذار المبكر والتخطيط الزراعي. وأكثر منه ضرورة نشر وتبني ممارسات الرصد المناخي.
النينو واللانينيا
(النينو) و (اللانينا) من المصطلحات الحديثة في نظم المناخ. وهما تأثيران للمحيط على المناخ العالمي خاصة المحيط الهادي الذي يتسع إلى ما يقارب نصف مساحة المحيطات. فظاهرة النينو تتعلق بزيادة درجة حرارة المياه في سطح المحيط، التي تؤدي إلى تغير المناخ نحو أمطار وفيضانات. بل وجفاف في بعض المناطق. واللانينا ترتبط بارتفاع مياه المحيط الباردة على السطح والتي تؤدي بصورة عامة إلى أمطار أقل. فقد أصبحت ظاهرتا النينو واللانينيا من أهم أدوات التنبؤ المناخي الحديثة. وتشير الدراسات إلى أن السودان يتأثر بهاتين الظاهرتين من خلال تأثيرهما على توزيع الأمطار ومعدلات الحرارة. وقد لوحظ أن بعض حالات النينو القوية (مثل هذا العام 2026) ترتبط بانخفاض الأمطار في أجزاء واسعة من السودان، بينما ترتبط بعض حالات اللانينيا بزيادة فرص الأمطار فوق المعدلات الطبيعية. وتكمن أهمية هذه الظواهر في أن التنبؤ بها أصبح ممكناً قبل عدة أشهر، مما يوفر فرصة لصانعي القرار لاتخاذ تدابير استباقية في قطاعات الزراعة والمياه والطوارئ.
أهمية شبكة الرصد المناخي
للسودان سجل مناخي يمتد لأكثر من قرن من الزمان، وهو من أهم الأصول الوطنية غير المستغلة بالقدر الكافي. يمتلك السودان إرثاً في الرصد المناخي يمتد لأكثر من قرن، إذ بدأ قياس الأمطار منذ عام 1900. خلال الأربعينيات، وصل عدد محطات الرصد إلى حوالي أربعين محطة. أكثر من ذلك كان الرصد المناخي مهمة ذت أولوية لدى المراكز الإدارية للحكومة، حيث تمتلك وتدير أدوات لقياس المطر، اتجاه الرياح، وسرعتها، والرطوبة النسبية في الهواء. وقد كانت تقارير المناخ جزءاً أساسياً من تقارير الأحوال الإدارية في المراكز والمديريات يعتمد عليها في إدارة مخاطر الجفاف والحرائق. إلا أن كثيراً من هذا الإرث العلمي ضاع مع مرور الحكومات الوطنية.
الآن قد تطور تقنيات رصد ومتابعة الطقس والمناخ. الآن جهاز الرصد المناخي الرقمي ،الذي يرصد ويرسل لحظياً، لا يزيد عن حجم حافظة شاي، مع توفير موقع مناسب لها في مبنى ما حتى لوكان سطح المبنى.
تبرز الحاجة إلى: تحديث محطات الرصد، توسيع التغطية الجغرافية، رقمنة السجلات التاريخية، تطوير قواعد البيانات المناخية و تعزيز قدرات التحليل والتنبؤ. فالمعلومة المناخية أصبحت مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية الأخرى.
أولويات السياسات العامة
وهذا ما يلي واضعي السياسات، وعلى رأسهم وكلاء الوزارات ومساعديهم من المهنيين، وقادة مراكز البحوث والهيئات، لا بد أن يعوا دورهم. وينبغي أن تركز السياسات المناخية الوطنية خلال السنوات المقبلة على:
– بناء نظام وطني متكامل للإنذار المبكر للجفاف والفيضانات.
– دمج المعلومات المناخية في التخطيط الزراعي وإدارة المياه.
توسيع برامج حصاد المياه والتخزين المائي.
– دعم الزراعة المقاومة للجفاف والحرارة.
– حماية المراعي والغطاء النباتي ومكافحة التصحر.
تطوير البنية التحتية المقاومة للفيضانات.
– تعزيز البحث العلمي والرصد المناخي.
– توسيع التعاون الإقليمي مع دول حوض النيل والقرن الأفريقي.
– استخدام التنبؤات الموسمية في توجيه الاستثمارات الزراعية والرعوية.
– اعتبار التغير المناخي قضية تنموية، وأمنية واقتصادية في آن واحد.
خاتمة
يؤكد واقع السودان المناخي أن التنمية المستدامة، والأمن الغذائي وإدارة الموارد الطبيعية أصبحت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بقدرة الدولة على فهم المناخ والتنبؤ بتقلباته والتكيف معها. وتمثل البيانات المناخية المتراكمة خلال أكثر من مائة عام فرصة استراتيجية يجب استثمارها لبناء سياسات أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الجفاف والفيضانات والتغير المناخي، بما يحقق تنمية أكثر استقراراً واستدامة للأجيال القادمة.
مع صادق المودة
الصادق عبدالله أبوعياشة
الرياض، يونيو 2026
sadigabdala@gmail.com


