في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو ضمان حق الإنسان في الحصول على الماء باعتباره أحد أبسط الحقوق الأساسية، يعيش مواطنو ولاية القضارف واقعاً قاسياً تتداخل فيه أزمة الكهرباء مع أزمة المياه لتصنع مشهداً بالغ المرارة، عنوانه الأبرز: العطش.
فكلما انطفأت الكهرباء، جفت الصنابير، وكلما طالت ساعات القطوعات، ازدادت معاناة الأسر التي تبحث عن قطرة ماء تسد بها حاجة أطفالها وكبار السن والمرضى. لقد أصبحت الكهرباء في القضارف أكثر من مجرد خدمة، فهي شريان الحياة الذي تعتمد عليه محطات المياه والآبار ومرافق الخدمات الأساسية، وحين يتوقف هذا الشريان تتوقف معه الحياة نفسها.
والمؤسف أن هذه الأزمة لم تعد طارئة أو موسمية، انها تحولت إلى واقع مزمن يتكرر كل عام، بينما تتوالى التصريحات والوعود دون أن يلمس المواطن حلولاً حقيقية على الأرض. فما جدوى الخطط والمشروعات إذا كان المواطن يستيقظ يومياً على هاجس البحث عن الماء؟ وما قيمة الاجتماعات واللجان إذا كانت النساء والأطفال يقضون ساعات طويلة في طوابير المياه؟
إن ولاية القضارف ليست منطقة صحراوية فقيرة الموارد حتى يُبرر عطشها، هي واحدة من أهم ولايات السودان الزراعية، وتُعرف بأنها سلة غذاء البلاد. ومن المفارقات المؤلمة أن ولاية ترفد الاقتصاد الوطني بالمحاصيل والثروات الزراعية تعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها.
وإن أزمة المياه الحالية كشفت بوضوح حجم الهشاشة التي تعاني منها البنية التحتية للخدمات. فربط إمداد المياه بالكامل باستقرار الشبكة الكهربائية دون وجود بدائل فعالة من الطاقة الشمسية أو أنظمة الطوارئ يجعل حياة المواطنين رهينة لأي عطل أو انقطاع. وهذا يطرح أسئلة مشروعة حول أولويات التخطيط، ومدى جاهزية المؤسسات المعنية لمواجهة الأزمات المتكررة.
ولعل ما يزيد من حدة الغضب الشعبي أن المواطن لم يعد يطلب مشاريع عملاقة أو وعوداً مستقبلية بعيدة المدى، بل يطالب بحقه الطبيعي في الماء. يطالب بأن تخرج المياه من الصنبور حين يفتحها، وأن لا تتحول حياته إلى رحلة يومية شاقة بحثاً عن مورد يفترض أن يكون متاحاً للجميع.
إن استمرار هذه المعاناة يضع الجهات المسؤولة أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية كبيرة. فالعطش ليس مجرد أزمة خدمية، بل قضية تمس الكرامة الإنسانية والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. وحين يعجز المواطن عن الحصول على الماء، فإن الحديث عن التنمية والإعمار يفقد كثيراً من معناه.
القضارف اليوم لا تحتاج إلى المزيد من التبريرات، لكن إلى قرارات عاجلة وحلول عملية ومستدامة. تحتاج إلى تأمين الكهرباء لمحطات المياه، وتوسيع استخدام الطاقة البديلة، وتسريع تنفيذ مشروعات الإمداد المائي الاستراتيجية ووضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
فالعطش لا ينتظر، والمواطن لم يعد يحتمل والتاريخ لا يرحم الذين يسمعون أنين الناس ثم يكتفون بالصمت.
ويبقى السؤال المؤلم الذي يردده أهل القضارف كل صباح: كم من المعاناة يجب أن يعيشها المواطن حتى يصبح الماء أولوية؟

