Popular Now

سلسلة صفقات ترامب .. التقرير الاستراتيجي رقم (10) .. اليوم التالي لحرب إيران: من الرابح ومن الخاسر في إعادة تشكيل الشرق الأوسط .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

وهم الحياد: أفكار وحقائق ظاهرة لكنها غائبة، وبغيابها يطول زمن الحروب في السودان وغيره .. (3 من 3) .. د. بابكر عبدالله محمد علي

وجه الحقيقة | استعادة الدولة تبدأ من البرلمان .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية علي السودان والمعالجات المطلوبة .. بقلم/ زهيرعبدالله مساعد

في ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية الجارية و ما يصاحبها من توترات إقليمية، تلوح في الأفق تداعيات واسعة لا تقتصر على أطراف النزاع فحسب، بل تمتد لتشمل دولًا بعيدة جغرافيًا، لكنها مرتبطة اقتصاديًا أو سياسيًا أو جيوستراتيجيًا بالساحة الإقليمية، و السودان أحد أبرز هذه الدول. فعلى الرغم من أن السودان ليس طرفًا مباشرًا في هذا الصراع، إلا أن موقعه الجغرافي الحيوي على البحر الأحمر، و أوضاعه السياسية و الاقتصادية الهشة، و تاريخه مع كل من طهران و تل أبيب تجعل من أي حرب في المنطقة عامل تهديد مباشر للاستقرار الداخلي و الخارجي فيه.

من الناحية الاقتصادية، فإن أي حرب تؤدي إلى اضطراب إمدادات النفط أو الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر ستنعكس فورًا على أسعار الطاقة عالميًا، مما يعني ارتفاع تكلفة الوقود في السودان، الذي يعاني أصلًا من شح الموارد و صعوبات في الحصول على النقد الأجنبي. هذه الأزمات ستؤدي إلى تضخم داخلي حاد، و ارتفاع أسعار السلع الأساسية، و زيادة في معاناة المواطنين خصوصًا أن البلاد في حالة حرب داخلية و تفتقر إلى سياسات اقتصادية فعالة. كما أن العملات الآمنة مثل الدولار و الذهب ستشهد ارتفاعًا حادًا، ما يعني مزيدًا من التدهور في قيمة الجنيه السوداني، وانكماشًا في القدرة الشرائية، و تراجعًا في احتياطات النقد الأجنبي. و بسبب هشاشة مناخ الاستثمار و تراجع ثقة المستثمرين، فإن أي تصعيد إقليمي سيجعل السودان أكثر طردًا لرؤوس الأموال و المشاريع الأجنبية، و يضعه في عزلة مالية خانقة.

أما من الناحية الجيوسياسية، فإن السودان يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية و إقليمية، و على رأسها إيران و إسرائيل. فالبحر الأحمر الذي تطل عليه سواحل السودان، قد يتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة في حال استمرار الحرب، خاصة إذا استُخدمت فيه الأذرع البحرية أو الميليشيات أو الهجمات على السفن التجارية، و تعطيل الملاحة أو تهديدها سيؤثر على عمل ميناء بورتسودان ما يشل الحركة التجارية و يفاقم الأزمة الاقتصادية. في الوقت ذاته، فإن التحالفات الإقليمية ستُعاد صياغتها، و قد تجد الخرطوم نفسها مضطرة لاختيار مواقف سياسية، في ظل ضغوط متزايدة من المحاور المتصارعة، ما قد يؤدي إلى اضطراب في علاقاتها الخارجية و يغذي الانقسام الداخلي.

أمام هذا الواقع المحتمل، لا بد من التفكير في معالجات واقعية واستباقية تُجنّب البلاد المزيد من التدهور والانكشاف كما يجب التحرك بسرعة لتعزيز أمن البحر الأحمر بالتنسيق مع دول الجوار، وتحسين جاهزية البنية التحتية للموانئ، بحيث لا يتسبب أي طارئ خارجي في شلل داخلي. و في الوقت نفسه، لا بد من إطلاق إصلاحات اقتصادية عاجلة تُقلل الاعتماد على الواردات و تدعم الزراعة و الصناعة المحلية.
من جهة أخرى، فإن توحيد الصف الوطني بات ضرورة قصوى، لأن الانقسام السياسي الداخلي يجعل البلاد أكثر هشاشة أمام العواصف الخارجية. وعلى الحكومة أو القوى الفاعلة أن تعي أن التحولات الإقليمية لا تنتظر الحسابات الصغيرة، وأن تأمين الجبهة الداخلية بات شرطًا لازمًا لحماية السودان من تبعات أي صراع دولي. كما أن التنسيق مع المنظمات الدولية و الإغاثية يجب أن يتم بشكل استباقي، من خلال تحفيز التمويل و الضمانات و التعاون عبر قنوات دبلوماسية نشطة، حتى لا يجد السودان نفسه في عزلة قاتلة إن تحركت دوائر القرار العالمي نحو أولويات أخرى.
في النهاية، فإن الحرب بين إسرائيل و إيران،إن استمرت، ستعيد تشكيل المنطقة برمتها، و لن يكون السودان بمنأى عن آثارها، رغم بعده الجغرافي. غير أن تأثيرها على السودان سيكون بحجم ضعف مؤسساته و غياب رؤيته، أو بحجم يقظته و قدرته على امتصاص الصدمات. فإما أن يختار السودان موقع المتفرج الذي يدفع الثمن لاحقًا، أو أن يتحرك مبكرًا ليضع مصالحه الوطنية فوق كل اعتبار و يستعد لمواجهة المجهول بما يملك من أدوات واقعية و قرارات شجاعة.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة .. التقينا في طريق الجامعة .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

أصل القضية … ما بعد الجغرافيا: إعادة تعريف الحدود والقانون في الشرق الأوسط .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *