مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية و دراسات الرأي العام
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نتائج استطلاع الرأي العام عن شبهات الفساد المالي و الإدارى و آليات و طرق حماية المال العام
التاريخ 26/ يونيو 2025
~~~~~~••••~~~~~~~~~~~~~~~
شهد السودان منذ اندلاع الحرب أوضاعاً استثنائية أثّرت على أداء مؤسسات الدولة، لا سيما أجهزة الرقابة و المحاسبة، و قد تزايدت في الآونة الأخيرة أحاديث الرأي العام و وسائل الإعلام حول تفشي ممارسات يُشتبه في ارتباطها بالفساد في مجالات متعددة مما أثار مخاوف بشأن تراجع الشفافية و تعطُّل آليات الضبط والمساءلة.
في هذا السياق، طرح مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية و دراسات الرأي العام استطلاعً شاملاً بهدف رصد اتجاهات الرأي العام السوداني حول واقع و شبهات الفساد، و مستوى الثقة في مؤسسات الرقابة، و تقييم مدى تأثير تلك الظواهر على حياة المواطنين والخدمات العامة، إضافة إلى استجلاء آراءهم بشأن سبل المكافحة الممكنة في الظروف الراهنة… شارك في الاستطلاع عدد 68.407 مشاركا من داخل و خارج السودان ومن مخلف المهن و التخصصات و الأعمار كانت إجاباتهم كما يلى:
1/ اتجه وجدان المواطن السوداني للتعبير عن حالة من الاستياء من إفرازات الحرب على مختلف أوجه الحياة بالبلاد، حيث أكد 87.2% من المشاركين في الاستطلاع أن الشائعات حول الفساد قد تزايدت بشكل لافت بعد اندلاع الحرب، بينما قال 7.2% فقط إنها لم تزد، و5.6% لم يحددوا موقفهم.
2/ في رأي العديد ممن شملهم الاستطلاع، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل قد تصبح مسرّعًا مرعبًا للفساد، حيث رأى 64.1% من المستطلعين أن الحرب بمختلف تأثيراتها ساهمت بشكل كبير في ازدياد الفساد، و28.3% قالوا “إلى حد ما”، و تخالفهم الرأي نسبة 5.6% نفت التأثير، و2% ذكروا أنهم لا يعلمون. و الواقع يقول إن البندقية لا تمارس القتل فحسب، بل يمكن أن تفتح الأبواب لجيوب لا تشبع!
3/ في شهادة قاسية، قال 49.2% إن الفساد في المؤسسات العامة “مرتفع جدًا”، و35% قالوا إنه “مرتفع”، وقاربتهم نسبة 11.2% وصفوه بـ”المتوسط”، بينما عارضتهم بقوة نسبة 4.6% قالت إنه “منخفض”، ولم يقل أحد إن الفساد غير موجود! … فالفساد إذن ليس استثناءً، بل القاعدة.
4/ من خلال الاستطلاع، لم يفرق المشاركون كثيرًا بين الفساد المالي أو الإداري بشكل منفصل، بل رأوا تحالفًا شرسًا مزدوجًا ينهش جسد المواطن السوداني؛ فقد أجاب 89.5% بأن مظاهر الفساد المنتشرة هي فساد مالي و إداري معًا، و 6% قالوا إداري فقط، ونسبة 2% ترى أنه فساد مالي فقط، و2.5% ذكروا أنهم لا يدرون. لكأنما الإجابة تريد القول: باتّحاد المال و الإدارة في جريمة واحدة ضد الوطن!
5/ بحثًا عن أسباب هذا التمدد والانتشار، فقد أكدت 94.9% من المستطلعين أن غياب الرقابة والمحاسبة هو السبب الرئيسي وراء تفشي الفساد؛ فالذئاب تجوّلت بحرية لأن المؤسسات الحارسة منهوبة أو مدمّرة بفعل العدوان عليها. ونسبة 2.6% نفت أن يكون غياب أجهزة المحاسبة هو السبب، فيما ذكرت نسبة 2.5% أنها لا تدري الإجابة.
6/ قياسًا للثقة بين الناس والأجهزة الرقابية، فقد وصف 38.7% ثقتهم بأنها “ضعيفة”، و19.6% قالوا إنها “منعدمة”، في مقابل 28.1% توسطوا في الإجابة حينما وصفوها بـ”متوسطة”، و13.6% من المشاركين أكدوا أن لديهم “ثقة كبيرة” في الأجهزة الرقابية.
7/ و رغم الحرب و الجراح، أطلق الشعب صرخة مدوية: “نريد محاربة الفساد الآن!”، فقد أيد 93.8% تفعيل أجهزة مكافحة الفساد فورًا دون تأجيل، بينما فضل 5.6% تأجيلها، و0.6% فقط لا رأي لهم. فالشعب، في ألمه، لا يقبل أن تتحول الحرب إلى فرصة لنهب الموارد وزيادة حالات الفساد.
8/ عند سؤال المشاركين عن الجهة التي يعتقدون أنها الأكثر قدرة على مكافحة الفساد، مع إتاحة اختيار أكثر من جهة، أجابت نسبة 59.8% أن القضاء هو الأكثر قدرة، و58.3% رشحوا الحكومة المركزية، و46.2% قالوا المبادرات المجتمعية. في حين تبدى اليأس لدى نسبة 11.6% ذكرت بصراحة أن “لا أحد قادر حاليًا على محاربة الفساد في الوضع الراهن”.
9/ عند سؤال المشاركين عن الوسائل الأنجع لمكافحة الفساد، أجمع 85.9% على أن المحاسبة العلنية للمفسدين هي السلاح الأقوى، تليها الشفافية المالية، و التقارير الموجهة للرأي العام، و إشراك المجتمع المدني. و يبدو أن الرأي العام لا يريد عدالة تتم خلف الأبواب المغلقة، بل على مرأى من الوطن كله!
10/ من خلال الاستطلاع، بدا مهمًا الإشارة إلى ضعف الثقافة القانونية لدى عينة المشاركين، و هي مأساة حقيقية؛ فقد قال 60.9% إنهم فقط سمعوا بقانون مكافحة الثراء الحرام، و 29.9% يعرفونه جيدًا، بينما 9.2% لا يعرفونه إطلاقًا. و بالتالي، يصبح من الأهمية بمكان طرح السؤال: كيف يُقاتل المواطن الفساد وهو لا يعرف أدوات المواجهة؟
11/ وتأكيدًا لغياب الكفاية في التشريعات والنصوص القانونية الحالية، رأى 37.2% من المشاركين أن البلاد تحتاج إلى تصميم وابتكار قوانين وتشريعات جديدة تمامًا، بينما أشارت نسبة 35.2% إلى إمكانية تحسين القوانين الحالية بالتعديلات المناسبة، في مقابل نسبة 18.1% فقط يرون أن القوانين كافية، وأن العلة ربما تكمن في الإرادة والعزم والتصميم.
12/ افترض المشاركون في الاستبيان، عند منحهم فرصة تعدد الخيارات، أن هناك العديد من العقبات تحول دون محاربة الفساد وتطبيق القانون بشكل قوي؛ حيث اعتبرت نسبة 68.8% أن التدخلات السياسية والقبلية والأمنية هي المعوق الأكبر، و64.3% أشاروا إلى غياب الإرادة السياسية، و60.3% إلى ضعف الأجهزة العدلية، فيما حمّل 34.7% الحرب المسؤولية، وقالوا إنها شبكة معقدة تخنق كل محاولة للتطهير.
13/ سعيًا لتكريس وزيادة فرص القضاء،على مظاهر الفساد ، أيدت نسبة 80.3% إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد، هيئة تُطهّر ولا تتبع، وتعاقب ولا تتواطأ. في حين رفضت قيامها 16.2%، وأشارت نسبة 3.5% إلى امتناعها عن إبداء رأيها.
14/ في عالم اليوم، يرى المشاركون في الاستطلاع أن المعركة ضد الفساد لن تنجح بدون شراكات رقابية تجمع بين الإعلام والمجتمع المدني؛ فقد قال 58.3% إن إشراك المجتمع المدني في الرقابة ضروري جدًا، و33.2% قالوا “نعم، ولكن بشروط”، و8% يرفضون مشاركة الإعلام و المجتمع المدني، والبقية بلا رأي. و الحكمة تقول: “المال السايب يعلّم السرقة”.
15/ بحسب رأي 49.7%، فإن الحرب وظروف غياب أجهزة الرقابة والمحاسبة وفّرت غطاءً عميقًا للفساد، بينما قال 47.2% إنها لم تؤثر، ولم توفر أي غطاء، وإن الحرب تخفي كل شيء ما عدا جرائم الفساد، في حين تحفظت نسبة 3.1% عن الإجابة، وذكروا أنه لا رأي لهم.
16/ المخيف في نتائج الاستطلاع هو وجود قناعة عالية بتأثير الحرب في جعل الفساد مبررًا أو مقبولًا. وعند سؤال: “ما هو تأثير الحرب في جعل الفساد مبررًا أو مقبولًا لدى بعض الجهات أو الأفراد؟”، جاءت الإجابات كالتالي:
• 53.8% قالوا: كبير جدًا
• 25.6% قالوا: متوسط
• 8.5% قالوا: ضعيف
• 12.1% قالوا: لا يوجد تأثير
17/ يقينًا أن طاولة حكومة د. كامل إدريس هناك، لكن الرأي العام حدّد وجهته بوضوح؛ حيث قال 65.8% إن مكافحة الفساد يجب أن تكون “أولوية قصوى”، فلا نهضة بدون تطهير، ولا حكومة بدون مصداقية. بينما قالت نسبة 29.1%: “نعم، ولكن إلى جانب أولويات أخرى”، و3.1% يرونها غير أولوية، والبقية لا يعلمون.
18/ ختامًا، و رغم كل الألم، لا يزال الأمل يتنفس بين الركام؛ فقد عبّر 62.5% عن تفاؤلهم بحدوث تطور في مكافحة الفساد في الفترة القادمة، و نسبة 28.5% لا يشاركونهم الأمل، و9% مترددون. إنها شعلة ضوء في نفق طويل…


