يمر السودان بمرحلة اقتصادية حرجة تتسم بالركود، و ارتفاع معدلات التضخم و تدهور قيمة العملة الوطنية، إلى جانب الانكماش في قطاعات الإنتاج و الخدمات. و في ظل هذه الأزمة المتصاعدة، تبرز الزراعة كأداة اقتصادية استراتيجية، قادرة على إحداث اختراق نوعي في مؤشرات الأداء الكلي إذا ما أُحسن استثمارها. فبينما تتعثر كثير من الخطط التنموية في مواجهة الواقع المالي و الأمني، يبقى الموسم الزراعي المقبل نافذة واقعية يمكن من خلالها التأسيس لتحول اقتصادي حقيقي، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية و الرؤية الاقتصادية الواضحة التي تضع هذا القطاع في مقدمة أولويات الدولة. فإنجاح الموسم الزراعي المقبل يقيس مدى فاعلية أجهزة الحكومة في إعادة أنشطة القطاعات الإنتاجية و الاقتصادية.
إن الموارد الزراعية التي يمتلكها السودان تُعد من الأعلى في المنطقة من حيث الإمكانيات الطبيعية، و مع ذلك فإن مساهمة الزراعة في الناتج المحلي لا تتجاوز 30%، و هي نسبة تُظهر إلى أي مدى تُهدر هذه الموارد بسبب غياب السياسات الفعالة، و ضعف التمويل و تدهور البنية التحتية. إذ أن أكثر من 175 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة لا يُستغل منها سوى أقل من ربعها، في حين تتوفر مياه نهرية وأمطار موسمية يمكن أن تحول السودان إلى سلة غذاء حقيقية للقارة الأفريقية، إضافة إلى امتلاكه نحو مئة مليون رأس من الماشية، وثروات ضخمة في الصمغ العربي والحبوب الزيتية والبساتين.
الموسم الزراعي المقبل يجب أن لا يُنظر إليه كمجرد محطة موسمية، بل كفرصة استراتيجية لإنقاذ الاقتصاد الوطني من دوامة التدهور المستمر. المطلوب اليوم هو تبني خطة طوارئ زراعية ترتكز على توفير تمويل وطني عاجل بالتعاون مع البنوك و القطاع الخاص بعيدًا عن الاعتماد المفرط على القروض الخارجية التي كثيرًا ما تكون مرهونة بشروط سياسية و اقتصادية. كما يجب الإسراع في تأهيل المشاريع الكبرى مثل الجزيرة و الرهد و السوكي، و تحديث وسائل الزراعة بإدخال تقنيات الري المحوري و التقاوي المحسنة و الممارسات الزراعية الحديثة.
كذلك لا بد من إنشاء احتياطي إستراتيجي من المدخلات الزراعية الأساسية، يشمل الأسمدة و المبيدات و التقاوي، لضمان توفرها في الوقت المناسب و بأسعار عادلة. كما يُعد تشجيع التصنيع الزراعي المحلي ضرورة اقتصادية لرفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، و تقليل الواردات، ودعم الميزان التجاري. و لا يمكن إغفال أهمية حماية الموارد من التهريب والنهب المنظّم، من خلال آليات رقابة صارمة، وسياسات تسعير عادلة تُراعي استقرار السوق والمصلحة الوطنية.
إن إنقاذ الاقتصاد السوداني لن يتم عبر الحلول المؤقتة أو انتظار المعونات الخارجية، بل من خلال إطلاق طاقات الإنتاج الحقيقي و على رأسها القطاع الزراعي. و إذا لم يتم التحرك الفوري لتأمين هذا الموسم الزراعي، فإن فرصة ثمينة ستضيع و ستتعمق أزمة الاقتصاد الوطني. المطلوب اليوم ليس الشعارات، بل إجراءات عملية و قرارات جريئة تعيد للزراعة دورها الطبيعي كمحرك أساسي للنمو و التنمية.
