Popular Now

سلسلة: الحرب على السودان (31)..السودان بين تصاعد الضغوط الإقليمية وتحولات الميدان: هل تتشكل ملامح توازن جديد للصراع؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

موانئ البحر الأحمر السودانية… خيارات الاقتصاد والأمن الإقليمي .. مستشار: أحمد حسن الفادني

أصل القضية | لماذا لا نُسمّي مشاكلنا بأسمائها ؟ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أصل القضية | لماذا لا نُسمّي مشاكلنا بأسمائها ؟ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست المشكلة أن نجهل الحقيقة، بل أن نعرفها، ثم نُعيد تسميتها بما يسمح لنا بتجنّبها

في السودان…لا تُدار الأزمات فقط بالقرارات،
بل تُدار — في مستوى أعمق — باللغة.
نحن لا نُغيّر الواقع حين نعجز عن مواجهته… بل نُغيّر اسمه.

○ نسمي الانهيار: “تحديًا”
○ ونسمي الفشل: “تعقيدًا”
○ ونسمي العجز: “ظرفًا”

وهنا تبدأ أصل القضية.

أولاً: اللغة كأداة هروب… لا كأداة كشف
في المجتمعات المستقرة، تُستخدم اللغة لتوضيح الواقع ، أما في المجتمعات المأزومة فتُستخدم لإخفائه.
حين نقول:
– “الوضع صعب”… بدل “هناك فشل في الإدارة”
– “في تعقيدات”… بدل “في غياب رؤية”
– “ظروف خارجة عن الإرادة”… بدل “أخطاء داخلية”

فنحن لا نصف الواقع بل نُعيد تغليفه. اللغة هنا لا تنقل الحقيقة، بل تؤجل مواجهتها.

ثانيًا: ثقافة السلامة… حين يصبح الصدق مخاطرة
في كثير من السياقات السودانية، لا يكون تجنّب تسمية المشكلة ضعفًا معرفيًا، بل قرارًا اجتماعيًا.
لأن:
– تسمية الخطأ قد تُفسّر كاتهام
– تسمية الفشل قد تُفهم كعداء
– تسمية المسؤول قد تُعد خروجًا عن الصف

وهنا تتشكل ما يمكن تسميته: ثقافة السلامة على حساب الصراحة، حيث يصبح الغموض وسيلة للبقاء، لا عيبًا في التفكير.

ثالثًا: الخوف من التسمية… خوف من الالتزام
تسمية المشكلة ليست فعلًا لغويًا فقط بل التزام.
● حين تقول: هذه أزمة إدارة
فأنت ضمنيًا تقول: يجب أن تُدار بشكل مختلف

● وحين تقول: هذا خلل مؤسسي
فأنت تفتح باب:

● الإصلاح أو المساءلة لهذا يتم تجنّب التسمية، ليس لأن الحقيقة غير معروفة، بل لأن تبعاتها معروفة.

رابعًا: إدارة الانطباع بدل إدارة الواقع
في كثير من الأحيان، لا يكون الهدف حل المشكلة، بل إدارة كيف تبدو. فننتقل
● من: “كيف نعالج الخلل؟”
إلى “كيف نفسّر الخلل؟”
● ومن: “كيف نبني نظامًا؟”
إلى: “كيف نُقنع الناس أن الأمور تحت السيطرة؟”
وهنا تتحول الدولة — أو النخبة — من فاعل إلى مُعلّق على الواقع.

خامسًا: التسمية المؤجلة…تكلفة مضاعفة
المشكلة التي لا تُسمّى، لا تختفي.
بل: تتضخم، تتشابك و تتكرّر لأنك لا تستطيع حل ما لا تستطيع تعريفه بدقة.

وفي منطق الجسر والمورد: كل مشكلة غير مُعرّفة بدقة هي مورد مهدر. نُهدر الزمن في الدوران حولها، والانتباه في تفسيرها والطاقة في التعايش معها.

سادسًا: بين الأدب والوضوح… أين الحد؟
ليس المطلوب أن نكون صداميين، ولا أن نُسمي الأشياء بفظاظة.
لكن هناك فرق كبير بين اللباقة والتمويه

■ اللباقة: تقول الحقيقة بطريقة تُحافظ على العلاقة.

■ التمويه:يُخفي الحقيقة لحماية الموقف
والمجتمعات التي تخلط بينهما…تفقد قدرتها على التصحيح.

سابعًا: لماذا هذه الظاهرة سودانيًا؟
السياق السوداني يحمل عوامل مركبة:
– تاريخ طويل من الأنظمة التي لا تُحب التسمية الصريحة
– بيئة اجتماعية تقدّم الانسجام على المواجهة
– نخب اعتادت إدارة الخطاب أكثر من إدارة الواقع
– مواطن أنهكته الأزمات… فأصبح يفضّل التلطيف على الصدمة

فتتشكل حلقة مغلقة: واقع مأزوم + لغة مُخفِّفة = وعي مُشوَّش

ثامنًا: إعادة تعريف الشجاعة

في هذا السياق الشجاعة لا تعني الصراخ بل الدقة.
أن تقول:
– هذا نجاح… عندما يكون نجاحًا
– وهذا فشل… عندما يكون فشلًا
دون مبالغة… ودون تهرّب.

الشجاعة الحقيقية هي: أن تُسمي المشكلة… ثم تتحمّل مسؤولية ما بعد التسمية.

تاسعًا: من التسمية إلى البناء
التسمية ليست هدفًا…
بل بداية.

حين نُسمي نُحدد، وحين نُحدد نفهم وحين نفهم نستطيع أن نبني.
أما حين لا نُسمي فنحن لا نختلف فقط في الحلول، بل نختلف في تعريف المشكلة نفسها.

أصل القضية: حيث يُصنع العبور
في السودان اليوم…قد لا يكون أخطر ما نواجهه هو حجم الأزمات، بل طريقة حديثنا عنها لأن الدول لا تتعثر فقط بسبب أخطائها، بل بسبب عجزها عن تسميتها بدقة.

في منطق الجسر والمورد:

– التسمية = بداية الفهم
– الفهم = بداية التوجيه
– التوجيه = بداية العبور

بين واقعٍ نعرفه ولغةٍ نُخفيه بها، المجتمعات التي لا تُسمّي مشاكلها… تُسلّم مصيرها لمن يُسمّيها نيابةً عنها، وهنا… بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي | لا غرابة في أن تشييد إثيوبيا سدودًا جديدة من دون إعطاء السودان ومصر إخطارًا مسبقًا !!!

المقالة التالية

موانئ البحر الأحمر السودانية… خيارات الاقتصاد والأمن الإقليمي .. مستشار: أحمد حسن الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *