أولاً: مدخل استراتيجي
تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب في السودان لم تعد تتحرك فقط داخل مسرحها الداخلي، بل باتت تتأثر بصورة مباشرة بإعادة تموضع إقليمي يضم دوائر الجوار المباشر (مصر، تشاد، إثيوبيا)، ودوائر التأثير السياسي الأوسع، بما فيها التحركات العربية ذات الصلة بمسارات التسوية وإعادة بناء الشرعية السياسية.
وفي هذا السياق، فإن تزامن التصريحات المصرية، والتطورات الأمنية المرتبطة بالحدود الغربية والشرقية، والتصعيد في الفاشر والنيل الأبيض، مع حديث عن مقاربات سياسية إقليمية، يشير إلى لحظة مفصلية تتجاوز المعركة العسكرية إلى إعادة رسم توازنات الصراع نفسه.
ثانياً: البعد الإقليمي – من الدعم السياسي إلى إعادة هندسة التوازن
1. الرسائل المصرية ودلالاتها
تمثل تصريحات عبد الفتاح السيسي في هذا التوقيت رسالة تتجاوز البعد الثنائي، وتحمل مؤشرات إلى:
— اهتمام مصري متزايد باستقرار الدولة السودانية.
— رفض تمدد الفوضى إلى المجال الإقليمي.
— دعم مسارات تحفظ بقاء مؤسسات الدولة وتمنع الانهيار.
2. المقاربة السعودية واحتمالات الحاضنة السياسية
الإشارات المتداولة بشأن رؤية سعودية لدعم ترتيبات سياسية مساندة لاستقرار السودان تطرح احتمال تشكل مقاربة تقوم على:
— دعم مركز الدولة.
— توفير غطاء سياسي لمرحلة انتقالية مستقرة.
— الحد من الفراغ السياسي الذي يغذي الصراع.
الدلالة الاستراتيجية: لم يعد النقاش فقط حول وقف الحرب، بل حول شكل النظام السياسي بعد الحرب.
ثالثاً: الضغوط عبر الأطراف – استراتيجية شد الأطراف أم ارتدادها؟
1. مسيّرات النيل الأبيض والبعد الإثيوبي
الحديث عن انطلاق مسيّرات من المجال الإثيوبي نحو مواقع في ولاية النيل الأبيض يطرح أسئلة تتجاوز الحدث التكتيكي، وتتصل بملف:
— هشاشة الأطراف الحدودية.
— تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية.
— مخاطر تدويل مسرح العمليات بصورة غير مباشرة.
2. تشاد واحتمال اتساع الاحتكاك الحدودي
إعلان تشاد مقتل جنود على يد عناصر مرتبطة بالدعم السريع يضيف بعداً آخر:
— نقل التوتر من المجال السوداني إلى الحيز الحدودي.
— تهديد مسارات الإسناد والعمق اللوجستي.
— زيادة تكلفة الحرب على الحاضنات الخارجية.
قراءة تحليلية
استراتيجية “شد الأطراف” التي سعت لتوسيع الضغوط على الدولة قد تواجه ارتداداً معاكسا إذا تحولت الأطراف نفسها إلى مساحات مقاومة واستنزاف.
رابعاً: الفاشر والانفلات الداخلي – حين يتحول الضغط إلى أزمة بنيوية
التقارير المرتبطة بانتهاكات واعتقالات وتصفيات في الفاشر تعكس – في القراءة الاستراتيجية – أن بعض مناطق السيطرة قد تواجه:
— تآكل الحاضنة الاجتماعية.
—ارتفاع التوترات المحلية.
— انتقال الأزمة من عسكرية إلى بنيوية.
وهنا يبرز السؤال: هل تتحول السيطرة الميدانية غير المستقرة إلى عبء على من يمارسها؟
خامساً: بيان الجيش وتحولات الرسائل العملياتية
صدور بيان عاجل من القوات المسلحة يشير إلى أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى الجمع بين:
— ضبط الرسالة السياسية.
— إدارة التأثير النفسي للحرب.
— تثبيت صورة المبادرة الميدانية.
وهو ما يرتبط أيضاً بالتطورات السابقة في هيكلة القيادة وإعادة توزيع الأدوار.
سادساً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء تدريجي للصراع
— تصاعد المسار السياسي الإقليمي.
— تثبيت معادلة الدولة.
— تراجع منسوب التمدد الميداني.
السيناريو الثاني: اتساع الضغط متعدد الجبهات
استمرار الضربات الطرفية.
تصاعد التوترات الحدودية.
زيادة احتمالات الاستنزاف الممتد.
السيناريو الثالث: توازن جديد للصراع: لا حسم كامل، لا انهيار للدولة، بل انتقال إلى معادلة تفاوض تحت ضغط الميدان.
سابعاً: الخلاصة الاستراتيجية
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الحرب على السودان تدخل مرحلة تتراجع فيها رهانات الحسم السريع، وتتقدم فيها رهانات إعادة تشكيل التوازن.
فالتطورات في:
مصر،
السعودية،
إثيوبيا،
تشاد،
الفاشر
والنيل الأبيض،
ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مشهد يعيد تعريف الصراع من نزاع داخلي إلى أزمة ذات أبعاد إقليمية مركبة.
وربما لم يعد السؤال: من يملك الأرض؟
بل: من يملك القدرة على إدارة الإقليم المحيط بالحرب؟
Email: bshair057@gmail.com


