Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

وجه الحقيقة … البرهان بين الهجرة والانتقال .. بقلم/إبراهيم شقلاوي

هناك محطات تحوّل كبرى في تاريخ الشعوب تصنع مجدها أو تكرّس انحطاطها، لكن وحدهم الأذكياء من يصنعون المجد ويتجاوزون الانحطاط. ارتبطت “الهجرة”، سواء كانت فعل جماعي أو فردي، بلحظات الانتقال من الانسداد إلى الانبعاث ، ومن العجز إلى العمل ، ومن الفوضى إلى إعادة التأسيس. لم تكن الهجرة يومًا مجرد مفهوم ديني أو وجودي، بل استراتيجية سياسية وأمنية تُعتمد حين ينهار مركز القرار و تتداعى المعادلات التقليدية، فتُصبح المغادرة فعلًا من أفعال البقاء تمهيدًا لعودة مشروطة بعد إعادة ضبط الميزان.

و في هذا السياق، يمكن قراءة انتقال الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش السوداني، من الخرطوم إلى بورتسودان بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، بوصفه قرارًا فرضته الضرورات الأمنية و مناورة تكتيكية ذات بُعد استراتيجي في معركة صمود الدولة.

لقد شكّل هذا الانتقال لحظة فاصلة في مسار الأزمة السودانية، و فتح المجال أمام قراءة جديدة تمزج بين التكتيك العسكري، و الحسابات السياسية، و منطق الدولة الذي لا يُختزل في العاصمة أو القصر الجمهوري، بل يُعاد تأسيسه حيث تتوفر عناصر الاستقرار و السيادة و الإدارة و الحكم.

و إذا عدنا إلى السيرة النبوية، باعتبارها لحظة تأسيس كبرى في التاريخ السياسي الإسلامي، نجد أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت استجابة لواقع الاضطهاد و التضييق، لكنها لم تكن انسحابًا من الفعل، بل خطوة واعية لإعادة التموضع، و بناء فضاء بديل تتوفر فيه مقومات الدولة و المجتمع.

في المدينة لم يُعاد فقط إنتاج الخطاب الدعوي، بل أُسّست بنية سياسية و أمنية و إدارية، تشكّلت من قوى متعددة الهويات و الانتماءات، لكنها توحّدت حول هدف مشترك: حماية الجماعة، و بناء الدولة، و توسيع مجال العمل السياسي. هذا النمط من التحوّل الاستراتيجي يتكرر، بطريقة ما، في تجربة الرئيس البرهان عندما غادر الخرطوم -العاصمة المنكوبة المطوقة- نحو بورتسودان، التي تحوّلت إلى عاصمة بديلة أعاد من خلالها بناء الدولة التي كانت على وشك الانهيار.

في التحليل العسكري، تُعد إعادة التموضع إجراءً مألوفًا لحفظ القوى في مواجهة عدو متفوقا تكتيكيًا، لكنه حين يُنفذ في إطار مشروع سياسي، يتحول إلى إستراتيجية بناء. و قد وفّرت بورتسودان بيئة آمنة نسبيًا لإعادة تجميع مؤسسات الدولة، و تأمين القيادة، و فتح قنوات دبلوماسية و إعادة تعريف المشهد السوداني داخليًا و خارجيًا.

استُثمرت هذه المرحلة لإعادة ضبط الخطاب الوطني، و استنهاض المعنويات، و وضع الخطط الحربية، و تحقيق مكاسب عسكرية تدريجية، بدأت بتحرير مناطق إستراتيجية، مثل ولاية الجزيرة و سنار وتفكيك البنية القيادية و اللوجستية للمليشيا.

في خضم هذه العاصفة، جاءت “هجرة” الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى بورتسودان.. كما هجرة النبي محمد ﷺ، إذ بدأ الحدث انسحابًا طارئًا، لكنه تحوّل لاحقًا إلى إعادة تموضع استراتيجية لإدارة الدولة من موقع أكثر أمانًا و فعالية. فقد تم إجلاؤه من القيادة العامة عبر عملية نوعية للقوات الخاصة منعت سقوط القيادة العليا للجيش رهينة بيد المليشيا و ضمنت بقاء رأس الدولة حرًا في قيادة المعركة السياسية و العسكرية.

في تلك الفترة، تكشفت مواقف بعض الدول و الأطراف الإقليمية والدولية، ممن سعوا لفرض حلول سياسية عبر واجهات مثل “صمود”، وهي مبادرات مدنية لم تحظ بتفويض شعبي، و شكلت غطاءً سياسيًا لتغوّل المليشيا، وأداة لتعطيل أي حوار وطني شامل. لم تكن هذه الوساطات مساعي للسلام، بل محاولات لإعادة تدوير مليشيا لفظها الشارع السوداني وسقط رهانها عسكريًا.

و مع استعادة الجيش زمام المبادرة، تبرز العودة إلى الخرطوم كتحوّل استراتيجي يُنهي مرحلة إعادة التموضع، و يدشّن مشروعًا تصحيحيًا للدولة. فليست العودة مجرد استرجاع للعاصمة، بل إعادة تأسيس لمركز حكم يعكس تصورًا وطنيًا جديدًا، يتجاوز هشاشة ما قبل الحرب، و يُعيد تعريف السيادة في مواجهة مشروع تمرد مدعوم خارجيًا و مؤيد من بعض الفئات داخليًا.

ينبغي أن يحمل انتقال البرهان مشروع الدولة إلى فضاء اللحمة الوطنية، لإعادة بنائها على أسس الشرعية و المؤسسات. فعودته المرتقبة إلى الخرطوم تشبه –في رمزيتها– العودة إلى مكة، و تمثل لحظة سياسية تُكتب بشروط الواقع لا بأوهام الخارج. فالهجرة الواعية ليست هروبًا، بل تأسيس و انطلاق لإعادة البناء و العودة المدروسة لتوحيد الناس.

كما علمتنا تجارب التاريخ، من غاندي إلى مانديلا، فإن التحوّلات الاستراتيجية تُقاس بالقدرة على تحويل المحنة إلى مشروع وطني جامع.

و  في السياق السوداني، و وفق ما نراه من وجه الحقيقة، فإن استثمار هذه “الهجرة السياسية” على نحوٍ إستراتيجي، و العودة إلى الخرطوم بوعي لا بنشوة انتصار، يجب أن تشكل لحظة تأسيس سياسي جاد يعيد تعريف المركز بوصفه فضاءً للوحدة و التعايش. إنها لحظة ليست لإعادة إنتاج السلطة القديمة، بل لبناء دولة تحتكم للمؤسسات، تحكمها قيم القانون و العدالة الاجتماعية، و تنقل السودان من منطق الغلبة إلى منطق التسامح الذي يعلي قيمة السلم، و يرسخ العيش المشترك و المستقبل الواعد لكل أهل السودان .

دمتم بخير و عافية.
السبت 28 يونيو 2025م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

أصل القضية … من “تكية الفول المصلّح” إلى “تكية الأمل” (٣-٣) .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

مشوار الهدن والتجارب السابقة (قراءة تحليلية سياسية في الهدنة الإنسانية المقترحة للفاشر) .. بقلم: أحمد حسن الفادني .. باحث في مركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *