تداولت بعض المنصات الإخبارية تصريحات مسؤولين من الأمم المتحدة و بعض السياسيين و الخبراء عن الهدنة التي تطلبتها الأمم المتحدة لمدة 72 ساعة لإيصال المساعدات للفاشر، و اختلفوا بين مؤيد و معارض لهذه الهدنة.
ونحن نرى بعين أخرى، حيث بدت لنا في لحظة و للوهلة الأولى أنها إنسانية بحتة، و دعت لها الأمم المتحدة الحكومة السودانية و مليشيا الدعم السريع إلى هدنة مؤقتة في مدينة الفاشر بهدف إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين الذين يعيشون تحت نيران المعارك المستعرة. و قد جاء الرد بالموافقة من الطرفين، إلا أن خلف هذا الاتفاق ظلال كثيفة من الشكوك و الريبة، تتغذى من سجل طويل من “الهدن المخدوعة” التي طالما استخدمتها المليشيا كفرص لإعادة ترتيب صفوفها، و استجلاب الدعم العسكري و اللوجستي و التمدد الخبيث تحت غطاء المساعدات.
#بين الإنسانية و السياسة: متى كانت الهدنة بريئة؟
من حيث المبدأ، لا يمكن لأحد أن يعترض على وقف إطلاق نار يسهم في حماية المدنيين و توصيل الغذاء و الدواء للنازحين و المرضى. لكن في الحالة السودانية، و مع مليشيا الدعم السريع الإرهابية تحديدًا، تتغير القواعد، و تتشكل الحقيقة على وقع التجربة المرة. هذه المليشيا، و منذ بدء تمردها المسلح على الدولة، لم تحترم أي التزام أخلاقي أو إنساني، و استغلت كل هدنة تم التوصل إليها لإعادة التموضع، و نهب الموارد، و تخزين الذخائر و التسلل إلى مناطق جديدة، فما أشبه الليلة بالبارحة، ففي كل مرة يتم فيها الإعلان عن هدنة، يعلن معها – ضمنًا – عن ولادة موجة جديدة من العنف بعد انقضائها. فبينما ينشغل العالم بنداءات السلام، تنشغل المليشيا برسم خرائط السيطرة المقبلة، مستفيدة من وقف العمليات الجوية، و منحها فرصة ذهبية لتحريك الآليات و إيصال الإمدادات دون خوف من الاستهداف.
#قراءة في التوقيت و الأهداف الخفية:
تأتي هذه الهدنة الإنسانية المقترحة للفاشر في لحظة فارقة، بعد الضربات القاسية التي وجهها الجيش السوداني لمليشيا الدعم السريع المتمردة، و نجاحه في صد محاولاتها لاقتحام المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية، و بالتالي، فإن قبول المليشيا بهذه الهدنة لا يعكس بالضرورة نية إنسانية، بل يمثل في جوهره طلبًا للنجاة المؤقتة، و صفقة زمنية لإعادة شحن طاقاتها، و إصلاح الخلل الكبير الذي أصاب بنيتها الميدانية، أما قبول الجيش السوداني بالهدنة، فهو موقف ينبني على اعتبارات إنسانية و ضغوط دولية، مع إدراك كامل أن الموافقة لا تعني الثقة، بل رقابة مشددة، و استعداد لأي خرق محتمل، و هي خبرة اكتسبها الجيش من تجاربه السابقة مع هذه المليشيا، التي تتقن فن الغدر و لا تحترم حتى رفاقها في التمرد ناهيك عن الاتفاقات الدولية.
# ماذا بعد الهدنة؟ المآلات المحتملة:
إذا سارت الأمور كما في التجارب السابقة، فإن المآلات لا تبشر أبدًا بخير و ذلك للآتي:
1. إعادة تسليح المليشيا: من خلال طرق التهريب أو الدعم الخارجي عبر بعض الأطراف الإقليمية، ستعمل المليشيا على استجلاب الأسلحة و الذخائر مستغلة “الهدوء المؤقت”.
2. تسلل و تموضع جديد: قد تعيد المليشيا نشر عناصرها في الأحياء الطرفية، مستغلة انسحاب نسبي للجيش أو تخفيف الحصار بحجة السماح بتحرك فرق الإغاثة.
3. توظيف إعلامي و سياسي: ستستخدم الهدنة كأداة في الحرب النفسية و الدعائية، لتصوير نفسها كطرف “إنساني” يستجيب للنداءات الدولية، و هي ذات الصورة التي تحاول ترويجها في عواصم الغرب و كما تعلمون هي أبعد من ذلك.
4. تهيئة لمعركة كبرى: كل هدنة في نظر المليشيا هي مجرد استراحة محارب، يليها تصعيد دموي قد يكون أعنف من سابقه، و هو ما حدث في نيالا، و الجنينة، و الخرطوم الجزيرة من قبل.
# الرسالة إلى صناع القرار:
الهدنة ليست هدفًا في ذاتها، بل وسيلة يجب أن تكون محكمة بآليات رقابة صارمة، و جدول زمني واضح، مع ضمانات بعدم استغلالها عسكريًا، فعلى الجيش السوداني ألا يُـخدع بالخطاب الإنساني الذي يتم تسييسه، و أن يدير هذه المرحلة بعقلية الميدان لا غرف الاجتماعات، و في الوقت نفسه، يجب أن تعي المؤسسات الدولية أن الحياد لا يعني المساواة بين الدولة و المليشيا، و أن الهدنة إن لم تكن منضبطة بشروط شفافة و آليات مراقبة حقيقية، فإنها لا تختلف عن إعطاء الضوء الأخضر للمتمردين للغدر مجددًا.
# لا ذاكرة قصيرة لمن عرف الغدر:
لقد دفع الشعب السوداني، ثمنًا باهظًا بسبب هذه الهدن المخدوعة، حيث يتم دوما استخدام الألم الإنساني مطية لتكريس مشروع تفكيك الدولة، فلا يجوز بعد اليوم أن نتعامل مع هذه “الهدن” كحالات إنسانية معزولة، بل يجب قراءتها في سياقها الكامل كجزء من صراع طويل لا يرحم.
إن كان لابد من هدنة، فلتكن بحذر، و بحساب دقيق، ولا يترك ظهر الدولة مكشوفا، فقد علمتنا التجارب أن اليد التي تمد للسلام قد تلدغ ما لم تُحمى بالسلاح و البصيرة و العين الساهرة.
(فلا يلدغ المؤمن… من جحر مرتين).

