الخرطوم رغم تزاحم الأزمات على أبوابها ، وتصارع القوى الكبرى على رسم خرائط نفوذها ، كانت على الموعد لتقف عند مفترق طرق لا يحتمل الحياد. فلم يعد السؤال: ماذا يريد العالم من السودان؟ بل أصبح: ماذا يريد السودان من العالم؟
إنها لحظة فارقة تُعيد تعريف علاقات الخرطوم بالمحاور الدولية، من بقايا “الرباعية” إلى بزوغ “تحالف الجسر والمورد”، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة تفاوض، والموارد إلى أوراق قوة، والشراكات إلى عقود مكتوبة بماء السيادة لا بحبر التبعية.
لقاء البرهان والمبعوث الأمريكي: نقطة تحوّل
في محطات التاريخ الفارقة، لا يملك الوطن ترف الانتظار. فإما أن يصنع لحظته بيده، أو يتركها لغيره ليرسم ملامح الغد. والسودان اليوم أمام فرصة جديدة لتصحيح مسار العلاقات الدولية بما يخدم استقراره ويعيد بناءه على أسس راسخة.
لقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، مع المبعوث الخاص للإدارة الأمريكية، لم يكن مجرد صفحة بروتوكولية. كان لقاءً مفتوح الرسائل، حاسم العبارات، أعلن فيه البرهان بوضوح أن “لا مستقبل لميلشيا ومرتزقة الدعم السريع المتمردة في السودان”، وطالب بفتح قناة تواصل مباشر بين الخرطوم وواشنطن.
قطر… القوة الناعمة والرصيد الاستراتيجي:
وقوف الخرطوم مع الدوحة أثناء حصار ٢٠١٧م لم يكن مجرد اصطفاف سياسي، بل استثمار استراتيجي طويل الأمد. اليوم، قطر الأولى إقليميًا في توظيف القوة الناعمة—الإعلام، التعليم، الرياضة، الوساطة السياسية، والعمل الإنساني—مما يجعلها لاعبًا قادرًا على فتح الأبواب المغلقة وربط السودان بمراكز التأثير الكبرى، وفي مقدمتها واشنطن.
هذا الرصيد يمكّن الخرطوم من التعامل مع الأطراف الدولية من موقع قوة، ويحول الشراكة القطرية إلى رافعة عملية لسياسة “الجسر والمورد”، حيث تكون قطر جسراً للتمويل، والدعم اللوجستي، والوساطة الدبلوماسية.
التساؤل الاستراتيجي: واشنطن… الفرص أم المصالح؟
هنا يطرح المراقب سؤالا جوهريًا: لماذا استيقظت واشنطن الآن على السودان؟
● المنظور الواقعي: مراقبة المصالح الجيوسياسية، خصوصًا السيطرة على ممرات الطاقة والتجارة عبر البحر الأحمر والعمق الإفريقي.
● المنظور الليبرالي: تعزيز الاستقرار والمؤسسات عبر دعم إعادة الإعمار والشراكات متعددة الأطراف.
● النفوذ البيني: استجابة لتقاطع مصالح محورية بين قطر (القوة الناعمة) والدور الروسي–الصيني، مما يجعل السودان ورقة مفصلية في إعادة التوازن الدولي والإقليمي.
باختصار، واشنطن استيقظت ليس من فراغ، بل بعد قراءة دقيقة لمؤشرات القوة والفرص، لتضع السودان كرتًا رابحًا في لعبة (الكوتشينة) الجيوسياسية.
الإمارات… بين الفرصة وإعادة التموضع:
في ظل تراجع دور «الرباعية» القديمة، وتقدّم «الثنائية» الجديدة بين قطر والولايات المتحدة، مع احتمالية دخول تركيا كلاعب اقتصادي–استراتيجي، يبرز أمام الإمارات أربعة مسارات محتملة:
● شراكة مشروطة: عودة إماراتية بضوابط واضحة، تقتصر على الإعمار والعمل الإنساني ووقف أي دعم ميداني للصراع.
● تهميش مُدار: بقاء أبوظبي على الهامش مع أدوار تقنية أو لوجستية محدودة.
● ضغط ومساءلة: تشديد الرقابة والعقوبات على أي ارتباطات بنزاعات أو موارد سودانية غير مشروعة.
● دور المُعطّل: استمرار دعم الصراع بما يؤدي إلى عزلة سياسية وتآكل النفوذ.
روسيا والصين… تضارب المصالح وموقع السودان:
● روسيا: السودان منفذ استراتيجي على البحر الأحمر وقاعدة لمشروعاتها التجارية والعسكرية، مع اهتمام بالذهب والموارد المعدنية.
● الصين: جزء من مشروع “الحزام والطريق”، مع استثمارات كبيرة في البنية التحتية والنفط.
تضارب المصالح بين هذه المحاور والغرب يخلق مشهدًا معقدًا، لكن هنا يظهر دور “الجسر والمورد”:
● الجسر: ربط مصالح روسيا والصين مع المصالح الأمريكية –القطرية في أطر شراكة شفافة تحافظ على السيادة.
● المورد: استخدام الموقع الجغرافي والموارد كأداة تفاوضية، تضمن فرص الاستثمار وفق شروط وطنية، وتربط التمويل بالتنمية لا بالاستخراج الأحادي.
مقترح السودان… صندوق سيادي مشترك:
لحماية موقفه وضمان استثمار اللحظة، يحتاج السودان إلى صندوق سيادي مشترك بين قطر والولايات المتحدة والسودان لإعادة الإعمار، يُدار بشفافية، مع أولويات وطنية واضحة. هذه الخطوة تأتي لأغراض هي:
● حماية القرار السوداني من الارتهان لطرف منفرد.
● ضمان تدفق الاستثمارات والمساعدات في إطار مؤسسي منظم.
● منح الشركاء صورة الفاعلين في البناء، لا المتفرجين على الخراب.
أصل القضية،،،
السودان لا يبحث اليوم عن منقذ، بل عن شركاء يكتبون معه عقد الإعمار والسلام.
من الرباعية التي صارت من الماضي، إلى ثلاثية تبني المستقبل، وإلى جسور تصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، الخيار بأيدينا. فإن أحسنا اغتنام اللحظة، سننتقل من مربع الأزمة إلى فضاء النهضة، وسيُذكر أن السودان لم ينتظر، بل صنع طريقه بنفسه وفرض على الجميع أن يلتقوا عند مورد واحد… هو مصلحة السودان العليا.
