تمضي الدول وتسعى بل وتتنافس في سبيل تحقيق مصالحها و إيجاد مكانة ثابتة ومحمودة لها، وأقول هنا و أؤكد المؤكد بأن القوة لم تعد تقتصر على جبروت السلاح أو سطوة المال، بل باتت هناك قوة أخرى أكثر رِقة وعمق، هي القوة الناعمة.
هذه القوة لا تُجبر أحد، بل تَجذبه وتُقنعه وتأسِر قلبه، وتعتمد في جوهرها على سِحر الثقافة وجمالها وجاذبيتها.
فالعلاقة بين الثقافة والقوة الناعمة علاقة وثيقة ومتشابكة، تمثّل فيها الثقافة النبع الذي تنهل منه القوة الناعمة، بل وتمنحها أدواتها للتأثير على الآخرين دون إكراه.
والثقافة هي هُوية الأمم ومرآة تاريخها، بكل ما تحويه من قيم، ومعتقدات، وفنون وآداب. وحينما تكون هذه الثقافة نابضة بالحياة وجذابة، فإنها تتحول إلى أداة دبلوماسية بالغة الفعالية، وفي ذلك نرى ما تفعله الدول وهي تستخدم أفلامها ومسلسلاتها لتُعرّف العالمَ على جمالياتها وقيمها، أو أن تستضيف مهرجاناتٍ فنية تُلهم الزوار من كل مكان، أو حتى أن تُقدّم سفارة الرياضة كرسالة سلام وتنافسٍ شريفٍ كل ذلك يُساهم في نَسج صورة إيجابيةٍ للدولة في أذهان الشعوب الأخرى ويجعلها محبوبة ومؤثرة.
ولا شكّ أن الرياضة تُعدّ مثالًا بليغاََ على دور الثقافة في بناء القوة الناعمة فاستضافة دولة قطر الماجدة ل كأس العالم في العام 2022 لم تقتصر فوائدها على الجانب الاقتصادي أو السياحي بل تعدته في جعل هذه المناسبة منصة لتعزيز مكانة قطر وتأثيرها ودورها العالمي.
لقد كانت استضافةُ قطر لبطولة كأس العالم دليلًا حيًا على قدرة الدولة على استخدام الرياضة كجسر ثقافي يربط بين الشرق والغرب ويُقدّم صورة حضارية مُشرقة عن قيمها وثقافتها وتسامحها.
ويمكن القول ختاماََ بان القوة الناعمة والثقافة وجهان لعملة واحدة، فالثقافة هي الأداة التي تُصقل بها الدول قدرتها على التأثير، بينما القوة الناعمة هي الحكمة التي تستخدم بها الدول هذه الأداة لتحقيق أهدافها، وهما معاََ يُشكّلان قوة هادئة ولكنها عميقة الأثر قادرة على بناء جسور من التفاهم والتعاون في عالم أحوج ما يكون إلى القوةِ التي تُقنع ولا تُخضِع.
و أواصل.

