يأتي مولد المصطفى (صلى الله عليه وسلم هذا العام) والعالم يموج بالصراعات، و تتصاعد أصوات المدافع فوق صوت العقل، وتُزهق الأرواح وكأنها بلا قيمة. وبينما يشتد صخب الآلة الحربية، تحضر ذكرى الميلاد الشريف لتعيد إلى البشرية معنى الرحمة التي غابت و رسالة العدل التي طُمست بين ركام المصالح.
لقد كان ميلاده (صلى الله عليه وسلم) تحوّلًا عظيمًا في مسار الإنسانية، إذ جاء برسالة تحرّم قتل النفس بغير حق، وتبني دعائم مجتمع يقوم على الرحمة والعدل والمساواة. أضافت سيرته بعدًا جديدًا للإنسانية، فانتشلتها من جاهلية لا ترى في الإنسان سوى أداة للقتال أو سلعة للمتاجرة.
أما اليوم، فإن المنظمات الدولية التي نصّبت نفسها حارسةً للسلام، وقفت عاجزة أمام المآسي التي تمزق الشعوب، مكتفيةً بصياغة بنود سياسية هشة لا توقف نزيف الدماء، ولا تداوي جراح المكلومين، ولا تحمي النازحين من برد الخيام. بل عجزت حتى أن تقدم لقمة خبز لإنسان الفاشر الذي يموت جوعًا، في صورة مؤلمة تجسد موت الضمير الإنساني في دهاليز المصالح الدولية.
و السودان يعيش اليوم حربًا ضروسًا، تخرج الأسر من ديارها في موجات نزوح قاسية، فلا تجد مأوى ولا غذاء ولا دواء. وبين أزيز الرصاص ومرارة الفقد، تحل ذكرى المولد الشريف لتمنح هذا الشعب الصابر عزاءً روحيًا، وتذكّره بأن الرسالة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا رحمة للعالمين، وعدلًا يرفع المظلوم، وسلامًا يطفئ نار الفتنة. وتشهد الأسر السودانية سرادقات مأتم الشهداء احتفالًا بالاستشهاد، لا جزع فيه ولا انكسار، لتؤكد أن هذا الشعب سيظل صابرًا مرابطًا، مدافعًا عن أرضه وكرامته، متمسكًا بقيم الحق حتى يتحقق له النصر.
إن ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم تذكّر العالم بأن الرسالة التي جاء بها لم تكن مجرد شعائر أو طقوس، بل كانت مشروعًا متكاملًا لإحياء إنسانية الإنسان، وإقامة العدل، وإشاعة السلم بين الأمم. فالميلاد الشريف ليس مجرد تاريخ يُحتفل به، وإنما هو دعوة متجددة إلى مراجعة الضمير الإنساني، واستعادة جوهر الرحمة الذي افتقده العالم وسط ضجيج السلاح.


