ربما جاز تسمية الحوار السوداني – السوداني بـ”الفريضة الغائبة”، فمنذ أن تخلى حزب المؤتمر الوطني الذي كان حاكماً، عن روح مخرجات حوار قاعة الصداقة (الوثبة) الذي اختتم أعماله في 2016، وأهمل بعض أهم توصياته، والبلاد لم “تشم العافية” ؛ وبدلاً من أن تبقى حالة الشد والجذب بين القوى السياسية السودانية محصورة بين قاعة الصداقة (2016) وفندق السلام روتانا (2022)، انتقلت إلى عواصم الجوار في كل من القاهرة وأديس أبابا، ويُخشى أن تبعد النجعة إلى جنيف أو حتى واشنطن !!
في كلمته التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخراً، أعلن رئيس الوزراء الانتقالي، الدكتور كامل إدريس أن حكومته “ستنخرط في حوار وطني سوداني- سوداني شامل لكل القوى السياسية والمجتمعية لكي نؤسس للوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة”، وأضاف بأن حكومته “التزمت بتسهيل كافة الإجراءات لكل السودانيين بالمهاجر للعودة والانخراط في الحوار المهم”.
وحين عاد بالأمس القريب إلى بورتسودان، أعلن رئيس الوزراء أمام وسائل الإعلام أن قضية “الاستشفاء الوطني” والحوار السوداني – السوداني ستكون على رأس أولويات حكومته، مما يعني أن لدى السيد رئيس الوزراء ومستشاريه فكرة أكثر وضوحاً الآن عمّا يودون القيام به.
الحوار السوداني – السوداني ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو مطلوب لـ”إنتاج حلول” تيسر على السودانيين الانتقال والتحول من حالة الاختطاف التي ظلت تعيشها بلادهم منذ 2019، إلى حالة توطين الحلول المفضية إلى التعبير الحر عن إرادتهم ورسم مستقبل بلادهم بعيداً عن أجندة الخارج، فالخارج مهما كان قريباً، إنما يبحث عن مصلحته التي ليست بالضرورة متطابقة تماماً مع مصالحنا، بل قد تكون في أحيان كثيرة متناقضة معها.
و الحوار السوداني هو وسيلة لإدارة اختلافاتنا بأدوات سلمية، والهدف منه – ببساطة – هو أن يشترك السودانيون، نخبهم وعامتهم، في رسم مستقبل بلادهم وفي كيفية تحقيق السلام والاستقرار والتنمية، وكيفية إدارة الحكم و التداول على مقاعد السلطة؛ ولئن كان الأمر كذلك، فإن أول مطلوبات نجاح ذلك الحوار هي أن تكون المشاركة فيه مفتوحة للجميع، وأن نلغي من قاموسه عبارة (ما عدا)، وما عدا التي أعنيها هنا ليست تلك الخاصة بالمؤتمر الوطني فحسب، وإنما أيضاً (ما عدا صمود) ، ما دامت “صمود” اختارت طريقاً غير الذي اختارته “تأسيس” وأعلنت أنها تؤمن بعدم استخدام البندقية وسيلة لفرض الأجندة السياسية، وما دامت ترغب في المشاركة.
ولأن الثقة بين القوى السياسية والمجتمعية السودانية، متزعزعة في جزء منها ومنعدمة في جزئها الآخر، فإن دور الخارج يكون مكملاً لمطلوبات الحوار، ولا صلة له بوضع الأجندة ولا بكيفية إدارة الحوار حولها، وإنما ينحصر في تقديم الدعم اللوجستي وفي المراقبة، حتى يطمئن المتشككون والخائفون بأن سلامتهم مضمونة طيلة فترة الحوار وأن بوسعهم العودة إلى مهاجرهم متى ما رأوا ذلك.
أما أجندة الحوار الجامع، فيمكن أن تشمل – على سبيل المثال لا الحصر – وضع خطة شاملة للعدالة الانتقالية والاتفاق عليها اهتداءً بالتراث المجتمعي السوداني في حل النزاعات و استئناساً بالتجارب والبرامج الدولية لدى الدول الخارجة من الصراعات والحروب الأهلية، وتجارب منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في ذلك، وتناول قضية السلم المجتمعي، الذي تزلزل بسبب سلوك الميلشيا أثناء الحرب، بهدف الوصول إلى مجتمع المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، والإعداد والتحضير المبكر والجاد لخلق مناخ معافى تُجرى فيه انتخابات حرة ونزيهة، ليختار الشعب السوداني ممثليه الذين سيضعون الدستور الدائم للبلاد.
يتبع،،


