Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. حديث في الممنوع: حمدوك رئيسًا للسودان مدى الحياة بعد تجيير الثورة لصالح حكومته وتأمينها عسكريًا باستيعاب الدعم السريع في القوات النظامية !!!

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

السَّبْكُ المُخْتارُ في مٌهاوَشةِ عَزْمي وَالمُسْتَشارِ .. د.محمد حسن فضل الله

(1) أصل الأزمة
لم تكن الأزمة التي شغلت الرأي العام مجرد خلافٍ عابرٍ بين رجلين، ولا كانت سحابة صيفٍ تمطر غباراً ثم تنقشع… بل كانت أزمةً ناقلة؛ تنتقل من منصة لأخرى ومن مجلس إلى آخر، كما تنتقل النار من هشيمٍ إلى هشيم، حتى غدت حديث المدن والقرى، و وقوداً لإعادة طرح أسئلة أعمق من الأشخاص: أسئلة الدولة والسلطة، الإعلام والمصداقية، والثقة المهدورة بين المواطن ومن يخاطبه باسم الدولة أو باسم القلم.. ولأنّ للأزمات طبائع تشبه طبائع الناس؛ تبدأ همساً خلف الأبواب، ثم لا تلبث أن تعلو حتى تلامس سقف السماء… فقد بدأت هذه الأزمة بنبرة منخفضة، كحجرٍ صغير يُلقى في بركةٍ راكدة. كان حجرها الأول قلم عزمي الذى نفض،الرماد عن الجمر .. ليعقبه التسجيل الصوتي الذي نُسب إلى مستشار رئيس الوزراء؛ تسجيل هزّ الصمت العام هزاً، لا لأن محتواه يحمل سراً عظيماً، بل لأن لغته حملت ما لا تحتمله السلطة من غضبٍ وما لا تحتمله الصحافة من تحقير.

ومع أن البلاد في حرب، والجيش على تخوم المدن، والناس في مراكز النزوح يترقبون الخبز والماء قبل البيانات، إلا أن أزمة الكلمات ما زالت تحتفظ بقدرةٍ عجيبة على إشعال الفتيل. فالكلمة – عندنا – ليست مجرد حبر، إنها جمرٌ إذا اشتعل لا يطفئه الماء.

(2) ارتحالات الأزمة
انتقلت الأزمة على مرحلتين، لكل مرحلة طبيعتها وحطبها: أما المرحلة الأولى فكانت صُعود قلم عزمي الذى نضح بالمقال كان كمن يصب الزيت على النار لا عن عمدٍ ولا عن غوغاء، بل عن واجبٍ يراه تجاه الحقيقة. تحدّث عن غياب رئيس الوزراء، وعن ضعف حضوره في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى قائدٍ يطرق على الطاولة ويخاطب شعبه قبل أن يخاطب العالم.قال عزمي:”رئيس الوزراء يمثل الحلقة الأضعف… وغيابه يفتح الباب أمام البحث عن بديل.د “فانتقلت الأزمة بذلك من سجالٍ بين قلمٍ ومستشار… إلى سجالٍ حول الدولة نفسها: أين رئيسها؟ أين خطابه؟ من يملأ فراغه؟ وهل يُعاتب القلم لأنه سأل؟ وكأنّ الأزمة، هنا، قد لبست ثوباً أكبر من مقاسها… وتحولت من جدلٍ مهني إلى حديث دولة ومصير.
واما المرحلة الثانية فهى شرارة المستشار وبدأ الأمر حين خرج التسجيل الصوتي في موقف بدا فيه صوته أكثر حرارةً مما يتطلبه موقعه، وأكثر صراحةً مما تحتمله المهنة، وأكثر خشونةً مما يليق بالرجل الذي يقف على عتبة الدولة. قال كلماتٍ فُهم منها أنّ الصحافة في نظره بين متسوّلٍ وخصم… وأن النقد الذي يُوجَّه لرئيس الوزراء إنما هو غدرٌ من أقلام نحرت خُلقها قبل أن تنحر صاحب المنصب. ولأن العبارات لا تُقاس فقط بنيّتها، بل بتوقيت إطلاقها، فقد جاءت هذه الكلمات في لحظةٍ يطلب فيها الشعب خطاباً مرمماً لا جارحاً… ومهدئاً لا مستفزاً… فكان أن تحولت الكلمات إلى نصلٍٍ صقيل يجرح أكثر مما يداوي. وهنا بدأ التحوّل؛ خرجت الأزمة من إطارها الشخصي إلى ساحة الرأي العام.

(3) انتقالات الأزمة
ثم حدث ما يحدث دائماً في بلادٍ يشتعل فيها الكلام أسرع من الحطب؛ توسّعت الدوائر، وتكاثر الشهود، وتقدّم الموالون والمعارضون، وانقسمت الصفحات بين من يدافع عن المستشار، ومن يدافع عن عزمي، ومن يهاجم الفريقين معاً، ومن يرى أن لا خصومة هنا إلا خصومة بين المهنية والارتجال، وبين البيان والفراغ، وبين الحق والظنّ.وصارت الكلمات تعبر المدن من بورتسودان إلى الخرطوم،ومن الفاشر إلى الدبة،ومن المعسكرات إلى غرف المؤثرين….وصارت الأزمة مثل كرة الثلج المتدحرجة لأنها لم تبقَ في أصلها، بل حملت معها سؤال الثقة المفقودة، وسؤال الدولة الغائبة، وسؤال الصحافة المتعبة وسؤال المستشارين الذين يثيرون الغبار أكثر مما ينفضونه، ومع كل هذا الضجيج، سرت بين الناس حكمة بسيطة ولاذعة: “البُدريون لا يحتاجون لمناصرة… وعزمي هو عزمي… ولكن الهجوم على الحكومة كلها بسبب المستشار ليس من العدل.”

(4) جوهر الأزمة؟

هي ليست أزمة عبارة… بل أزمة منظومة. هي ليست غضب مستشار… بل غياب خطاب دولة، هي ليست مقالة عزمي… بل فراغ في هرم السلطة يجعل كل كلمة تهزّ الجدار هي ليست معركة بين صحفي وسياسي… بل تصادم بين منطقين: منطق يرى أن الدولة أولى بالستر والضبط، ومنطق يرى أن الحقيقة أولى بالكشف والمحاسبة… هي أزمة ثقةٍ هشة بين سلطةٍ لا تجيد الإصغاء، وصحافة لا تتقن الانتظار.هي أزمة زمن سياسي مضطرب، لا يحتمل نزق المستشارين ولا قسوة الأقلام، ولا أخطاء الغياب ولا فوضى التصريحات. هي أزمة دولة تبحث عن صوت… وإعلام يبحث عن ضمير… وشعب يبحث عن من يطمئنه بأن البلاد ما زالت تقف على قدميها.

(5) اللوحة التي يمكن رؤيتها

بعد أن هدأت السحابة قليلاً، تكشف للشارع أن الدولة بحاجة إلى صوتٍ واضحٍ لا يترك المجال للشائعة، والصحافة بحاجة إلى ترتيب جدارها الداخلي قبل أن تطالب الآخرين بالاتساق، والمستشارون بحاجة إلى لغةٍ تُبنى ولا تُهدّم، والناس بحاجة لمن يشرح لهم: من يقود السفينة؟ وإلى أين؟ وكيف؟وقد قال أحد الكبار قولًا يصلح أن يُختم به هذا السبك المختار (إنّ الشعوب لا تُهزم بالرصاص وحده، بل تُهزم حين تتشقق أصواتها… وحين تتفرق كلمتها.) وما أحوجنا اليوم إلى كلمةٍ واحدة… لا تُطفئ النار كلها، ولكنها تمسك الجمر في القلوب حتى لا تحرق البلاد.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5805 .. مناصرة لمرصد مشاد لحقوق الإنسان واقتراح له بقيادة تحالف

المقالة التالية

أصل القضية| من سلسلة الجسر والمورد .. ثورة العقل… أم ثورة الوعي؟ .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *