تعقيدات المشهد وتبدّل المواقف مع تصاعد التحديات السياسية والعسكرية في السودان، شهد الأسبوع الحالي سلسلة من التطورات المفصلية التي أعادت تشكيل النقاش حول مستقبل الحرب ومسار السلام. ما بين تأجيل مباحثات بروكسل، وتصاعد الجدل الأميركي حول تصنيف قوات الدعم السريع وتباين تصريحات الفاعلين المحليين والإقليميين، يتشكل مشهد سياسي شديد التعقيد يتطلب قراءة متأنية لمواقف الأطراف ومآلاتها.
أولاً: تأجيل اجتماع بروكسل… رسائل متعددة الاتجاهات
أثار تأجيل الاجتماع المرتقب بين وفد الحكومة السودانية والاتحاد الأوروبي في بروكسل—الذي كان مقرراً أن يقوده مستشار رئيس مجلس السيادة—تساؤلات عديدة حول خلفيات القرار وتوقيته.
دلالات التأجيل المحتملة:
- ضغوط أوروبية لإحداث اختراق سياسي قبل الدخول في أي تفاهمات جديدة.
- رغبة الخرطوم في إعادة ترتيب موقفها التفاوضي بانتظار نتائج التحركات الإقليمية والدولية.
- انشغال الأطراف الدولية بتقييم الميدان بعد التطورات العسكرية الأخيرة.
- التأجيل هنا لا يبدو فنياً أو لوجستياً، بل يحمل في طياته مؤشرات على تشدد المواقف أو غياب ضمانات لنجاح الجولة السياسية.
ثانياً: الجدل الأميركي حول تصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”
يتصاعد داخل الولايات المتحدة ضغط سياسي وإعلامي لتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، وهي خطوة إن تمت ستحدث تحولاً كبيراً في مسار الحرب.
انعكاسات التصنيف المحتمل:
- تجميد شامل لأموال وشبكات الدعم والتمويل الخارجي.
- الحد من قدرة الدعم السريع على الحركة الدبلوماسية والإعلامية في الغرب.
- تعقيد فرص التسوية التي قد تعتمد على دمج القوات أو الترتيبات الأمنية.
- الجدل يعكس تغيراً في المزاج السياسي الأميركي بعد تقارير واسعة عن الانتهاكات المنسوبة للدعم السريع.
ثالثاً: تصريحات الفريق ياسر العطا… انضمام ضباط سابقين للدعم السريع
كشف عضو مجلس السيادة الفريق ياسر العطا عن انضمام ضباط محالين من الجيش والأمن إلى قوات الدعم السريع، ما أثار أسئلة عديدة في الأوساط العسكرية والسياسية.
قراءة سياسية للتصريحات: - التأكيد على خطورة الاختراقات التي تنفذها قوات الدعم السريع.
- التلميح للحاجة إلى إعادة هيكلة القوات النظامية بعد الحرب.
- توظيف سياسي للتأثير على النقاشات الدولية في ملف “الإصلاح الأمني”.
مثل هذه التصريحات على حساسيتها
تزيد من تعقيد مشهد الثقة بين الأطراف.
رابعاً: (بابكر فيصل) … جدل حول “سيطرة الإسلاميين على الجيش”
أعاد القيادي بتجمع “تقدم” صمود بابكر فيصل الجدل حول نفوذ الإسلاميين داخل الجيش، قائلاً إن المؤسسة العسكرية خاضعة لسيطرة تيار الإسلام السياسي.
ما وراء الخطاب؟
- محاولة تثبيت سردية ربط الحرب بصراع النفوذ الإسلامي.
- الضغط على الجيش أمام المجتمع الدولي لإثبات استقلاليته.
- تبرير مواقف “تقدم” التي تدفع نحو مسار سياسي خارج إطار الجيش التقليدي.
هذا الطرح يظل محل خلاف واسع داخل القوى السياسية والمجتمعية.
خامساً: الإمارات… اتهامات برفض البرهان لمسار السلام
عادت أبوظبي إلى واجهة المشهد باتهامات تقول إن البرهان يرفض مسار السلام، وهي تصريحات رأت فيها الخرطوم محاولة لتحميلها مسؤولية استمرار الحرب.
دلالات الموقف الإماراتي:
- نفي الاتهامات المرتبطة بدعم الدعم السريع.
- إعادة التموضع في ظل التحولات الدولية الأخيرة.
- الحفاظ على دور سياسي دون خسارة شركاء الخليج والغرب.
التطور يؤكد أن الصراع السوداني بات جزءاً من تنافس إقليمي لا يقل تعقيداً عن المشهد الداخلي.
سادساً: مناوي وجبريل… قراءة في تصريحات ترامب
أحدثت تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خلال لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ردود فعل واسعة داخل السودان، خاصة من مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم.
أبرز المؤشرات:
- اعتبار التصريحات تأكيداً على تغير الموقف الأميركي لصالح حل سياسي تقوده السعودية.
- محاولة القوى السودانية إعادة التموضع لاستيعاب التحول الجديد.
- إدراك متزايد أن الدور السعودي سيكون محورياً في عملية السلام القادمة.
تحليل شامل: أين يقف السلام اليوم؟
توضح التطورات أن السلام في السودان لم يعد يتحرك في مسار واحد، بل ضمن شبكة معقدة من التفاعلات الداخلية والإقليمية والدولية.
1. داخلياً
- الفجوة العسكرية والسياسية بين الجيش والدعم السريع لا تزال واسعة.
- الاتهامات المتبادلة تعمّق أزمة الثقة.
- القوى المدنية منقسمة بين عدة مسارات.
قطاع واسع من الشعب السوداني بات يميل لدعم الجيش بعد الجرائم والانتهاكات الواسعة المنسوبة لقوات الدعم السريع، بما في ذلك الاعتداءات على المدنيين ونهب المؤسسات وتدمير المدارس والجامعات وتحويلها لمقار عسكرية.
2. إقليمياً
- السعودية تعود بقوة للمشهد السياسي.
- الإمارات في موقف دفاعي بعد الانتقادات الدولية المتصاعدة.
- مصر تترقب اللحظة المناسبة للتدخل بفاعلية أكبر.
3. دولياً
- أوروبا تضغط لتسوية عاجلة وفق شروط سياسية واضحة.
- واشنطن تعيد تقييم موقفها من الحرب ومن الدعم السريع تحديداً.
- الأمم المتحدة تراجع دورها الذي أصبح أقل تأثيراً مقارنة بالسنوات الماضية.
الخلاصة
السلام في السودان اليوم ليس أقرب مما كان، وليس أبعد. التحركات الإقليمية وتغير المواقف الأميركية والضغط الأوروبي تمثل فرصة حقيقية يمكن البناء عليها، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية سودانية صادقة.
ورغم الانقسام الداخلي وتعدد مراكز القرار، يبقى السلام ممكناً إذا ما توافرت الرغبة الجادة، وتم تغليب المصلحة الوطنية على صراع النفوذ.
Email: bshair057@gmail.com

