مقدمة: السودان بين مأساة إنسانية وانقسام سياسي متصاعد
يعيش السودان لحظة فارقة من تاريخه الحديث، حيث تتقاطع المأساة الإنسانية في غرب البلاد مع صراع سياسي ودبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي. وفي الوقت الذي ترتفع فيه التحذيرات الأممية والأوروبية بشأن خطر انهيار شامل للوضع الإنساني، تتصاعد الخلافات بين الخرطوم وعدد من الأطراف الدولية، ما يزيد من تعقيد مسار أي تسوية محتملة للحرب.
المفوضية الأوروبية تكشف أخطر ملف إنساني في الفاشر
أصدرت المفوضية الأوروبية تصريحاً صادماً أكدت فيه أنها لا تملك معلومات مؤكدة حول مصير أكثر من 169 ألف مواطن داخل مدينة الفاشر، وهي أكبر كتلة سكانية عالقة داخل منطقة نزاع مغلقة تماماً أمام المنظمات الإنسانية.
ويعكس هذا الاعتراف حجم العزلة المفروضة على المدينة، ويفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول طبيعة العمليات العسكرية والانتهاكات التي قد تحدث بعيداً عن رقابة العالم.
منع الإغاثة… جريمة مضاعفة ومعاناة بلا نهاية
أوضحت المتحدثة باسم المفوضية، “لحبيب”، أن ميلشيا الدعم السريع تمنع دخول طواقم الإغاثة إلى المدينة، مما أدى إلى تعطيل كامل لعمليات الإنقاذ والاستجابة الطارئة. وأكدت أن السودان يشهد حالياً أسوأ كارثة إنسانية في العالم، وأن الوضع في الفاشر تحديداً قد يتحول إلى “نقطة مأساة كبرى” إذا استمر الحصار ومنع المساعدات.
تأتي هذه التطورات في ظل فشل الجهود الدولية في فرض ممرات إنسانية آمنة وغياب آلية رقابية مستقلة تضمن حماية المدنيين.
تقارير متواصلة عن قتل جماعي وعنف ممنهج
تتواصل التقارير الميدانية والدولية التي تشير إلى وقوع عمليات قتل جماعي وعنف واسع النطاق في مناطق سيطرة الدعم السريع، رغم صعوبة التحقق بسبب القيود المفروضة على دخول المناطق المتأثرة.
وتظهر هذه التقارير نمطاً متكرراً من الانتهاكات يشمل:
- استهداف المدنيين.
- النهب والتهجير القسري.
- اتساع رقعة العنف العرقي.
وتحذر منظمات حقوقية من أن هذه الأنماط قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا تم التأكد منها.
العفو الدولية: اتهامات مباشرة للدعم السريع
في تقرير حديث، اتهمت منظمة العفو الدولية ميلشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم خطيرة تشمل قتل المدنيين وتنفيذ هجمات ذات طابع عرقي.
ورغم نفي الميلشيا لهذه الاتهامات، فإن تزايد الأدلة والشهادات يعزز الضغوط الدولية المطالبة بفرض عقوبات واتخاذ إجراءات رادعة لحماية المدنيين.
اشتباك دبلوماسي جديد: الإمارات تتهم… والخرطوم ترد
شهد الأسبوع الماضي موجة جديدة من التوتر بين السودان والإمارات، بعد انتقادات إماراتية لخطابات سياسية وإعلامية صادرة من الخرطوم.
وردّت وزارة الخارجية السودانية ببيان وصفت فيه هذه الاتهامات بأنها “غير مؤسسة”، مؤكدة أن على أبوظبي مراجعة دورها في الأزمة السودانية بدلاً من “إلقاء اللوم على الآخرين”.
يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الاتهامات داخل السودان حول دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي، لكنه يظل واحداً من أعقد ملفات الحرب.
الخرطوم ترفض ورقة الرباعية المقدّمة عبر مسعد بولس
أعلن مجلس الأمن والدفاع برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رفض الورقة التي قدمها مسعد بولس ممثلاً للرباعية الدولية (الولايات المتحدة – السعودية – الإمارات – بريطانيا).
ويعكس هذا الموقف:
- تصاعد الشكوك السودانية تجاه دور الرباعية
- رغبة الحكومة في إعادة صياغة مسار التفاوض
- سعي الخرطوم إلى إعادة تعريف الأطراف المقبولة في عملية السلام
- ويُنظر إلى هذا الرفض باعتباره نقطة تحول قد تعيد رسم التوازنات الدبلوماسية في الملف السوداني.
زيارة محتملة لمسعد بوليس إلى بورتسودان… ماذا تعني؟
أفادت مصادر دبلوماسية بأن مسعد بوليس يستعد لزيارة مرتقبة إلى بورتسودان بهدف تقييم الوضع وطرح مقاربات جديدة للحل.
وتحمل الزيارة، إن تمت، دلالات مهمة:
- دور متصاعد للفريق المقرب من إدارة ترامب في الملف السوداني.
- بحث واشنطن عن قنوات جديدة خارج إطار الرباعية التقليدية.
- محاولة للاقتراب من موقف الحكومة السودانية بعد تصاعد الخلاف مع أبوظبي.
- كما تشير مجريات الأحداث إلى أن إبعاد الإمارات من مسار الوساطة بات وشيكاً، مع ترجيحات بتقدم دور سعودي يحظى بقبول محلي ودولي.
خاتمة: أزمة مفتوحة ومسارات جديدة تتشكل
تؤكد التطورات الأخيرة أن السودان يقف على مفترق طرق خطير:
- كارثة إنسانية غير مسبوقة.
- انقسامات سياسية داخلية عميقة.
- تدخلات إقليمية ودولية متشابكة.
ورغم ذلك، تبرز مؤشرات لتحركات قد تعيد تشكيل المشهد السياسي، سواء من خلال رفض الخرطوم لورقة الرباعية أو عبر التحركات الدبلوماسية الجديدة المرتبطة بشخصيات مثل مسعد بولس.
ويبقى السؤال: هل ستقود هذه التعقيدات إلى فرصة جديدة للسلام، أم إلى مرحلة أكثر خطورة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، في بلد أنهكته الحرب لكنه ما زال متمسكاً بالأمل في الخلاص.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


