Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. دور الكيانات الدينية ، والقبلية ، والادارات الاهلية ، في سودان الغد

مسارات .. بين الجوار والصراع: قراءة في مقولة د. محمد مختار الشنقيطي عن إيران وإسرائيل .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

من قصص كليلة ودمنه : في دهـاقنة الديوان ولطف الوزيرة .. د. محمد حسن فضل الله

الحرب على السودان (28) .. مرتزقة الظل وشركات الواجهة عندما تقود الخيوط إلى لندن وأبوظبي .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود

مدخل: تحقيق يهز الصمت الغربي
في توقيت بالغ الحساسية، فجّر تحقيق استقصائي نشرته صحيفة The Guardian البريطانية أسئلة كبرى حول طبيعة الحرب في السودان، بعدما كشف عن صلات محتملة بين شركات مسجلة في بريطانيا وشبكات مرتزقة جرى توظيفها للقتال داخل الأراضي السودانية. التحقيق، المنسوب إلى الباحث وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة السابق المعني بالسودان مايك لويس، لا يضيف مجرد معلومة، بل يفتح ملفاً أخلاقياً وسياسياً معقداً يتجاوز الخرطوم إلى عواصم القرار الدولي.

شركات واجهة في قلب لندن

بحسب التحقيق، أسّس مرتزقة مقيمون في بريطانيا شركة محلية، وتُظهر سجلات الشركات أن عنوانها المسجل في توتنهام يرتبط بشركة تُدعى «زويتس العالمية». هذا الخيط الإداري – وإن بدا تقنياً – يطرح سؤالاً مباشراً: كيف تمرّ شبكات تجنيد قتالية عبر منظومات تسجيل الشركات في دولة تُعدّ من أكثر الدول صرامة في قواعد الشفافية؟ وهل نحن أمام ثغرات قانونية أم تواطؤ صامت؟

العقوبات الأمريكية: الاعتراف الذي لا لبس فيه

زاد المشهد وضوحاً مع إعلان وزارة الخزانة الأمريكية إدراج شخصين كولومبيين على قائمة العقوبات لتورطهما في تجنيد مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب ميلشيا الدعم السريع. وسمّى التقرير أحدهما: ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا، ضابط متقاعد مزدوج الجنسية (كولومبي–إيطالي)، يقود شبكة تجنيد عابرة للحدود ويقيم حالياً في الإمارات العربية المتحدة. هنا لم تعد القرائن مبعثرة؛ بل اتخذت شكلاً رسمياً عبر أداة العقوبات.

هيئة الشركات البريطانية: صمت أم عجز؟

امتناع هيئة تسجيل الشركات البريطانية عن التعليق أو تأكيد إقامة الأفراد الخاضعين للعقوبات داخل المملكة المتحدة يضاعف الريبة. فهل نحن أمام غفلة بيروقراطية، أم «تغافل محسوب» يراعي توازنات سياسية واقتصادية؟ الصمت الرسمي، في قضايا من هذا النوع، يتحول بذاته إلى موقف.

بين لندن وأبوظبي: من يؤثر على من؟

السؤال الأكثر حساسية: هل المخابرات البريطانية غافلة، أم أن النفوذ المالي والسياسي – خصوصاً القادم من أبوظبي – بات قادراً على تعطيل المساءلة؟ إن كانت الإجابة نعم، فنحن أمام مرحلة «سقوط الأقنعة» حيث تتكشف أدوار المال السياسي في إدامة الحروب بالوكالة، وتُختبر فيها مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان وحكم القانون.

تصريحات واشنطن: موعد حاسم أم ضغط تفاوضي؟

تتزامن هذه التطورات مع تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي تحدث فيها عن موعد حاسم لنهاية الحرب في السودان، وكشف عن وصول أسلحة إلى قوات الدعم السريع واتصالات مع الإمارات. دلالات هذه التصريحات خطيرة:

  • سياسياً: هي إقرار بامتلاك واشنطن معلومات استخباراتية تؤكد تدفقات السلاح.
  • دبلوماسياً: تشكّل رسالة ضغط على الأطراف الداعمة إقليمياً.
  • استراتيجياً: قد تمهّد لمرحلة عقوبات أوسع أو ترتيبات سياسية قسرية.

هل تأكد تورط الإمارات؟

حين تُجمع خيوط التحقيق الصحفي، والعقوبات الأمريكية، والتصريحات الرسمية، يصبح إنكار الدور الإماراتي في تمويل أو تسهيل نشاط الدعم السريع أمراً بالغ الصعوبة. قد تختلف درجات التورط، لكن «الإنكار المطلق» لم يعد مقنعاً في ميزان الوقائع.

بداية النهاية… أم إعادة تدوير الحرب؟

يبقى السؤال الأخير: هل نحن أمام بداية نهاية الحرب على السودان؟ المؤشرات تقول إن الضغط الدولي يتصاعد، لكن التجارب السابقة تحذر من سيناريو «إدارة الصراع» بدل إنهائه. نهاية الحرب لن تتحقق بمجرد كشف الشبكات، بل بتجفيف منابع التمويل، ومحاسبة الوسطاء، وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب السوداني ودولته الوطنية.

خاتمة

تحقيق الغارديان ليس خبراً عابراً، بل لحظة كاشفة في حرب الظلال على السودان. إنه اختبار أخلاقي للغرب، واختبار سيادي للعرب، واختبار وجودي للسودانيين. فإذا لم تُترجم هذه الكشوفات إلى أفعال حاسمة، فإن الحرب ستغيّر وجوهها فقط، لا مسارها. أما إن فُعلت المساءلة، فقد يكون هذا التحقيق أحد المسامير الأولى في نعش أطول الحروب عبثاً في الإقليم

البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. التفسير أداة لاستلاب الوعي .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات

المقالة التالية

وجه الحقيقة | المظاهرات وحرب المناطق الرمادية و الأمن القومي .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *