مقدمة: ما وراء الرصاص
بينما تنشغل منصات الأخبار بإحصاء المواقع والاشتباكات في الداخل السوداني، تتدفق تحت السطح مياه إقليمية ودولية تعيد تشكيل خارطة النفوذ في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل. إن الصراع في السودان اليوم لم يعد مجرد نزاع محلي على السلطة، بل تحول إلى “معادلة صفرية” كبرى تتقاطع فيها طموحات الموانئ الدولية بمسارات “اقتصاد الظل” العابر للحدود. يستعرض هذا المقال، مستنداً إلى معطيات تقرير (Small Arms Survey) الأخير، كيف تحولت الجغرافيا السودانية إلى “مفترق طرق” للصراعات الإقليمية.
1. ثقوب الحدود: كيف يغذي “اقتصاد الظل” استدامة النزاع؟
يشير التقرير بوضوح إلى المثلث الحدودي (السودان – تشاد – ليبيا) بوصفه “الرئة اللوجستية” للتمرد. من منظور اقتصادي تحليلي، نجد أن غياب الرقابة السيادية على هذا المثلث خلق ما يمكن تسميته “الثقوب السوداء” التي يتدفق عبرها السلاح والوقود والمقاتلون.
إن الاعتماد على تهريب الذهب والموارد كأداة للتمويل العسكري يطرح تحدياً وجودياً أمام الدولة السودانية؛ فالحرب هنا لا تمول من “خزينة” بل من “نهب الموارد”، وهو ما يفسر استمرارية أمد النزاع رغم الضغوط الدولية. إن أي استراتيجية للاستقرار يجب أن تبدأ بفرض سيطرة تقنية وعسكرية على هذه الثغرات لقطع شريان الحياة عن المجموعات المسلحة.
2. تحالفات الضرورة: العودة إلى “مفهوم الدولة”
في المقابل، نلحظ تحولاً في البوصلة الدبلوماسية السودانية نحو (مصر، السعودية، وتركيا). هذا التحرك ليس مجرد بحث عن حلفاء عسكريين، بل هو “تحالف ضرورة” يهدف إلى حماية هيكل الدولة من الانهيار الشامل.
مصر ترى في استقرار السودان أمنياً قومياً لا يقبل القسمة، والسعودية تضع أمن البحر الأحمر كأولوية قصوى لمشاريعها التنموية الكبرى، بينما تقدم تركيا نموذجاً للدعم التقني الدفاعي (المسيرات) الذي أحدث توازناً في موازين القوى الأرضية. هذا المحور يمثل “كتلة الاستقرار” التي تسعى لاستعادة هيبة المؤسسات الرسمية في مواجهة الفوضى العابرة للحدود.
3. صراع البوابات البحرية: من سواكن إلى صومالي لاند
لا يمكن قراءة المشهد السوداني بمعزل عن الزلزال الدبلوماسي في القرن الأفريقي؛ حيث أدى التوتر بين الصومال والإمارات والاعتراف بـ “صومالي لاند” إلى فتح جبهة جديدة لصراع الموانئ. السودان، بساحله الاستراتيجي، يقع في قلب هذا التنافس الإقليمي والدولي.
إن السباق للسيطرة على الموانئ والممرات المائية هو المحرك الحقيقي للكثير من المواقف السياسية. وما يحدث في “صومالي لاند” يمثل جرس إنذار للسودان؛ فإضعاف الدولة المركزية قد يفتح الباب أمام قوى إقليمية لفرض سياسات “الأمر الواقع” على السواحل السودانية، وهو ما يستوجب يقظة استراتيجية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
خاتمة واستشراف: السودان إلى أين؟

بناءً على المعطيات الاقتصادية والجيوسياسية، يمكننا استشراف مستقبل النزاع في ثلاث نقاط جوهرية:
• أولاً: الحرب لن تنتهي بالاتفاقات السياسية الهشة ما لم يتم تجفيف منابع “اقتصاد الحرب” الحدودي.
• ثانياً: السودان يتجه نحو بناء “كتلة إقليمية” جديدة تضم حلفاء استراتيجيين يشتركون في هدف واحد وهو “منع الفوضى”.
• ثالثاً: معركة السيادة القادمة ستكون في “البحر والحدود”، مما يتطلب إعادة بناء المؤسسة العسكرية والمدنية وفق رؤية تقنية حديثة.
إن الوعي الجمعي السوداني بما يدور في “الغرف المغلقة” وبين طيات التقارير الدولية هو الخط الأول للدفاع عن وحدة البلاد. فنحن لا نواجه رصاصاً فحسب، بل نواجه إعادة هندسة شاملة للمنطقة، والسودان هو حجر الزاوية فيها.
عن الكاتب:
د. محمد الخاتم تميم
باحث وأكاديمي متخصص في التمويل والاقتصاد، زميل بحثي فخري سابق بجامعة درهام (Durham University) ببريطانيا. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريبية دولية في تحليل النظم المالية وإدارة المشاريع، ويهتم بالربط بين التحليل المنطقي الرياضي والديناميكيات الجيوسياسية في السودان والشرق الأوسط.


