Popular Now

سلسلة: الحرب على السودان التقرير رقم (25) .. مؤتمر برلين حول السودان: بين رهانات التسوية وصراع التمثيل وتقاطعات النفوذ الدولي .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

مسارات ..غياب السودان عن مؤتمر برلين: هل يصنع العالم سلاما علي الورق .. بقلم: د.نجلاء حسين المكابرابي

15 أبريل … من أعظم مآسي السودان .. بقلم: زهيرعبدالله مساعد

جذور و أوراق .. الإبداع الرقمي بين الخوارزمية والبصمة الوجدانية .. بقلم/ موفق عبد الرحمن

الثابت أننا اليوم نعايش هذا الانفجار الضخم في عوالم التقنية، والمؤكد كذلك أن الآلة لم تعد أداة للحساب فحسب، بل شريك في عملية التكوين والإبداع.
هذا التحول يضعنا أمام سؤال جوهري …
هل يمكن للآلة أن تمتلك وعي جمالي؟

الإجابة … في الواقع لا تمتلك الآلة وعي بالمعنى البيولوجي أو الوجداني، فهي بطبيعة الحال لا تشعر بالألم الذي يدفع الشاعر للكتابة، ولا بالحالة التي تجعل الرسام يختار لون دون آخر كل ما تمتلكه الآله هو “نمذجة جمالية” فائقة التعقيد
وهي نتاج تحليل ملايين الأنماط البشرية وإعادة ترتيبها وتركيبها بهذه البراعة المدهشة.

لذا فالآلة لا تتذوق الجمال، بل تستنتجه من خلال هذه المعادلة، ومع ذلك فإن النتيجة النهائية تضعنا أمام إبداع يتجاوز أحياناً قدرة البشر مما يدعونا لإعادة تعريف الإبداع نفسه هل هو في الإلهام والإحساس بالعمل أم في الأثر الذي يتركه في المتلقي.
هنا نفتح الباب الذي يوصلنا لعمق الفلسفة الجمالية وارتباط الفن تاريخياً بـ “القصدية” وهي إرادة المبدع في قول شيء ما عن العالم .
و الآلة هنا بطبيعة الحال مهما بلغت دقتها تفتقر إلى الدافع الذاتي فهي لا تبدع لأنها تريد التحرر من القلق أو طرح رؤية، بل لأنها استجابت لأمر ما.

وهنا أجد نفسي منتقلاََ لتساؤل أعمق وهو هل تكمن قيمة الفن في المنتج النهائي أم في العملية الإبداعية ومعاناتها ؟
فإذا كان الفن هو وسيلة تواصل بين روحين فإن الآلة هنا تلعب دور المرآة التي تعكس وعينا نحن لا وعيها هي، وبالتالي ترسم تداعياتنا، و تضخم خيالاتنا لكنها تظل بلا “أنا” مركزية تعاني وتتفاعل مع أعباء الحياة.

أقول كل ذلك ونحن نلحظ الآن تحول الآلة بالفعل إلى “كيان مبدع” لكنه إبداع يعتمد على الذاكرة الجمعية للبشرية هذا التحول الذي يزعزع مفهوم المؤلف الفرد التقليدي.
فنحن ننتقل من عصر المؤلف الواحد إلى عصر التأليف المشترك في الأدب والفن الرقمي فيصبح الإنسان هو الموجه أو المايسترو الذي يضع الرؤية والشرارة الأولى _ بينما تقوم الآلة بالتنفيذ والتوسيع .
هنا لم يعد المؤلف هو من يمسك القلم فحسب ، بل هو من يمتلك القدرة على هندسة الأفكار وإدارة الحوار مع الذكاء الاصطناعي.
فنحن نشهد ولادة المؤلف الهجين الذي يدمج بين الحدس البشري وقوة المعالجة الرقمية، ولكي لا تبتلعنا التقنية وتفرغ فننا من محتواه الوجداني _ يجب أن نتعامل معها كـ مجهر للروح لا كبديل ..
وعلينا كذلك ونحن نستخدم الآله أن لا نهتم أن جاءت أعمالنا وبها بعض الندوب والعيوب الإنسانية فالجمال غالباً ما يكمن في عدم الكمال الذي يميزنا عن الآلة،
وواجب علينا كذلك العمل باستمرار على تعميق مرجعيتنا الثقافية فكلما زادت ثقافتنا واتسعت مداركنا الوجدانية كانت أوامرنا للآلة أكثر عمقاً وأصالة فالآلة ستعطينا الاحتمالات وعلينا أن نمنحها المعنى الوجداني.
فالإبداع هو التعبير عما يعتمل في وجداننا من مشاعر غير قابلة للبرمجة.

وهنا أقول جازماََ بأن الآلة لن تسرق من المبدع إبداعه، بل هي تدعوه ليكون أكثر إبداعاََ وإنسانية في عالم تستطيع فيه الآلة محاكاة كل شيء ..
وستظل الأصالة والصدق الوجداني هما الحصن للإنسان وستظل الكلمة أو اللوحة الجميلة هي تلك التي تشعرنا بأن هناك إنسان آخر يهمس لنا باستمرار من خلف الستار الرقمي.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | الخطة البديلة لإشعال النيل الأزرق .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

من خيبة القومية إلى خيبة الإسلام السياسي كيف تآكل المعنى .. بقلم مستشار/ هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *