“ليست كل الانقسامات تبدأ بالسلاح…
بعضها يبدأ بملفٍ مُجمّد.”
منذ مارس ٢٠١٨م، لم يكن السودان يُدار فقط عبر قرارات سياسية كبرى، بل عبر صمتٍ إداري طويل. صمتٌ على ملفاتٍ كان يُفترض أن تُحسم وفق القانون، فإذا بها تُرحّل وفق المزاج، وتُجمّد وفق المرحلة، وتُنسى تحت لافتة “الأولوية الوطنية”.
وفي قلب هذا الصمت، يقف سؤالٌ طال انتظاره:
ما مصير دفعة الكوادر الوسيطة 2017م بوزارة الخارجية؟
يا سعادة وزارة شؤون مجلس الوزراء…
ماذا أنتم قائلون لله إذا سألكم عن هذا الملف؟
هؤلاء لم يكونوا جزءًا من محاصصة،
ولا ناتج تسوية،
ولا ثمرة توصية.
هؤلاء فتية آمنوا — يوم كان الإيمان بالكفاءة مغامرة —
أن العمل الدبلوماسي لا يُمنح بالولاء،
بل يُكتسب بالجدارة.
دخلوا عبر امتحانات،
واجتازوا عبر لجان،
وأكملت مفوضية الاختيار للخدمة المدنية القومية
كافة إجراءات اختيارهم وفق الأطر القانونية المعتمدة.
ثم… توقّف كل شيء.
منذ ٢٠١٨م، يقف هذا الملف في موقفٍ سلبي
لم تشهده المفوضية من قبل،
وصمتٌ من قبل وزارة شؤون مجلس الوزراء
ظل غير مبرر حتى هذه اللحظة.
وما يزيد المشهد تعقيدًا… بل إرباكًا،
أن هناك دفعة لاحقة — دفعة ٢٠٢٠م —
تم استيعابها في العام ٢٠٢٤م،
على ما دار حولها من لغطٍ ونقاشات.
بينما دفعة ٢٠١٧م،
التي استوفت الإجراءات،
واجتازت مراحل الاختيار،
وأُجيزت وفق القنوات الرسمية،
لا تزال خارج الخدمة…
لا لقصورٍ في الكفاءة،
ولا لنقصٍ في الإجراءات،
بل لغياب قرار.
في زمن التصنيف،
لم يعد السؤال:
من نجح؟
بل:
من يُناسب المرحلة؟
فأصبح الوصول إلى الوظيفة الدبلوماسية — في بعض المسارات —
لا يُحدده النجاح في الامتحان،
بل الموقع في الخريطة:
هل كنت داخل أم خارج؟
هل نزحت أم صمدت؟
هل حضرت أم غادرت؟
هل تنتمي لجهةٍ أم لفكرة؟
ثم جاءت الحرب،
فأُعيد ترتيب الدولة لا فقط جغرافيًا…
بل وظيفيًا.
انتقلت المؤسسات،
وتبدلت الأولويات،
وتكوّنت شبكات قرار جديدة.
لكن وسط كل هذا،
ظل ملف دفعة ٢٠١٧م خارج التصنيف.
ليس لأنهم غير مستحقين…
بل لأنهم غير مُدرجين.
وهنا تتحول المأساة من إدارية… إلى بنيوية.
حين تنجح في الامتحان ولا تُعيّن،
وتُستكمل الإجراءات ولا تُستدعى،
وتُستوفى الشروط ولا تُنفذ القرارات،
فإن المشكلة لم تعد في اللوائح…
بل في معيارٍ خفي يقول:
الكفاءة لا تكفي.
فأي رسالةٍ تُرسلها الدولة إلى شبابها،
حين يرى الناجح أن الانتظار لا يُقاس بالزمن،
بل بالتصنيف؟
وأي ثقةٍ تبقى في الخدمة العامة،
إن كان النجاح لا يضمن المسار،
والصمت يضمن التجميد؟
يا سعادة وزارة شؤون مجلس الوزراء،
هذا ليس ملف تعيين.
هذا ملف:
ثقة
عدالة
ومصداقية دولة
دولة قالت لشبابها يومًا:
“تقدّموا، فالكفاءة معيارنا.”
فهل تغيّر المعيار؟
أم تغيّر المستحقون؟
إن كان التصنيف قد أصبح مدخلًا لإدارة الموارد،
فلا تجعلوه مدخلًا لإقصاء الكفاءة.
وإن كانت الحرب قد فرضت أولويات،
فلا تجعلوا الكفاءة آخرها.
فالدولة التي تُؤجل حق من نجحوا باسم المرحلة،
ستجد أن المرحلة قد نجحت في إقصاء حقها فيهم.
ليست المشكلة أن دفعة ٢٠١٧م تنتظر…
بل أن الدولة لم تُجب بعد:
لماذا؟
وهنا #أصل_القضية
أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر
المقالة السابقة


