Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. من حق المواطنين مطالبة لجنة إزالة التمكين بعد معاودة نشاطها بنشر تقرير شهري للكافة عن كل ما تقوم به حيال أي مواطن سوداني فيما يتعلق باسترداد أموال أو خلافه

وجه الحقيقة | برلين.. إغاثة أم هندسة للوصاية ؟ ..إبراهيم شقلاوي

مسارات … انشقاقات الدعم السريع تفضح المستور .. د.نجلاء حسين المكابرابي

نفقاتنا الصغيرة.. المستدامة .. د. الصادق عبدالله أبوعياشة

في مسار التفكير في موضوع محاربة ودرء الفقر، يطوف الذهن حول مظان سياسات محاربة الفقر. ويحاول أن يستلهم من كافة أوجه المعرفة في التنمية والإغاثة والتمويل، ومنها التمويل الأصغر، ومنها جهود الطوارئ التي فيها مبدأ الإعداد المبكر preparedness. وكما هناك أدوار للحكومات والمنظمات، يظل الدور الأكبر والأوسع للمجتمع الذي يستولد ويكاثر الحكومات والمنظمات. وفي المجتمع يظل الدور الأكبر للأفراد أصحاب العطاء و واهبي الفضل. والمجتمع شبكة كالبنيان من أسرة وأفرادها، وجيرة وقرابة، وزمالة في عمل ومؤاخاة في دار عبادة، بل ورفقة في طريق.
وكما في يوم القيامة، الذي لا شك فيه كل واحد منا يأتي ربه فرداً. ومن الأفراد يأتي السابقون، وبالطبع يأتي اللاحقون، بل ويأتي المنقطع بهم الذين سيقولون: لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض… بالطبع الخوض بدون وجهة وبدون يقين.
وقد يذهب الفرد محدود المال إلى أنه غير معني بالنفقة مثله مثل الأغنياء. لكن لعمري إن ذلك العطاء هو ماراثون يتسابق فيه الكل، من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته. وكل يقاس له بمقياسه، والنتيجة النهائية واحدة: ذات المنصة التي توزع فيها الجوائز، وذات الفرحة وذات التكريم. وللعجب يأتي درهم، فرد محدود المال، به خصاصة (حاجة ملحّه، لكنه يتفضل وينفق درهمه على وجه من وجود البر، درهم واحد منه يسبق ألف درهم من غيره من أصحاب الدثور.
يكثر اليوم في أدبيات محاربة الفقر، والعناية بالفقير، الحديث عن سياسات التمويل الأصغر، فهل يا ترى من هذا الحديث الكثير المثير، يمكن أن يقتبس منها سياسة للنفقات الأصغر؟
بالتأكيد ستكون الإجابة المباشرة تقول نعم. وهل يا ترى يمكن أن تكون مشروعاً دائماً مستداماً لكل منا نحن جمهور الراجين رحمة ربهم؟ كذلك الإجابة تقول نعم. نعم هناك المنفقون من كل الطبقات، من الطبقة الوسطى، من ذوي الدخل المحدود، ذوي الخصاصة، لتحسين أوضاعهم. أكثر من ذلك من يصنف في طبقة الفقراء، الذين بالكاد يجدون ما ينفقون. تشير بعض الدراسات بأن الفقراء أنفسهم هم أكثر عطاءً من غيرهم. ويتمثل عطاؤهم في اشتراكهم في طعام تكثر فيه أياديهم. ويشتركون السند في مناشط الرعاية أثناء المرض وكل مناشط الموت والحياة. يفعلون كل ذلك أكثر من غيرهم. فهم ينفقون مع الخصاصة، ويقفون سنداً مادياً وإن قلّ، أما السند المعنوي فذلك شأنهم.
كذلك تشير الدراسات أن الفقراء ومحدودي الدخل هم أكثر إنفاقاً مقارنة بالأغنياء؛ فكثير من إنفاق محدودي الدخل يتساوى مع الأغنياء. بل إن كثيراً من الأغنياء، ربما لطبيعة فيهم، يمسكون عن الإنفاق بحجة أنّ رأس المال لا يحتمل العطاء و إلا انهار، والمؤمن يعلم أن لا ينقص مال من صدقة قط. وبذلك يمسك بعض الأغنياء، وربما الكثير منهم تحسباً لفرصة استثمارية. والحكم والمقولات كثيرة في الشأن، ومنها أنّ العطاء سخاء، وليست عن الغنى.
وفي الإرث الإسلامي، الذي نعتز ونفخر به، وللأسف نتقاصر عنه كثيراً وبصورة مريعة. ويكون أوضح ما يكون التقصير في مرافقنا العامة؛ فبيوتنا أجمل من مدارس أبنائنا، وستائرنا ومناضدنا أجمل وأنظف من شوارعنا، ومن حماماتنا العامة. وحبنا لأنفسنا في مرافق الخدمات العامة يجعل منها نوعاً من الضنك والشظف، ويظهر ذلك عندما يكون الناس في انتظار خدمة ما. عندها يحدث السخط والتعدي، والفوز بها يعتبر نوع من الجسارة والحظوة. يمكنك أن تستعرض، قارئي الكريم، كم من الخدمات العامة التي يتزاحم فيها الناس من غير مرحمة؛ هل نحتاج لنبي جديد يقول لنا في أنفسنا قولاً بليغاً؟
وأقول إنّ الإرث الإسلامي قد أفرد مساحة فخيمة للنفقات الصغيرة؛ فكلنا نسمع بل ونردد أحاديثه معلم الناس الخير، صلى الله عليه وسلم: سبق درهم ألف درهم، وتصدقوا ولو بشق تمرة، ومن كان له فضل فليعد به على من لا فضل له، ولقمة في بطن جائع كجبل أحد، ومن ذهب في حاجة أخيه كمن صلى في مسجدي هذا مائة ركعة. وبعد كل القول البليغ نترك الفقر يقيم ويفرخ، ونذهب لننال البر في مسجده صلى الله عليه وسلم، ونترك الكثير من الحالات التي ترقى إلى فرض العين. والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. ومن منّا بغير خطيئة، سلام الله عليك يا ابن مريم، وما يقره ويؤكده القرآن الكريم في سورة النحل (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة)، وفي سورة فاطر: ولو يؤاخذ الله النّاس بما كسبوا، ما ترك على ظهرها من دابّة.
ونحن ننعم بالمعاني: ما نقص مال من صدقة قط، داووا مرضاكم بالصدقة، التي ستحال لنا بركة وصحة وعافية ورضىً.
فما هي إذن نفقاتنا الصغيرة؟ بغير شك هي غير التطوع ودفع قيمة تذكرة رحلة في حافلة ومركبة عامة، وهي غير الإسراع ودفع قيمة وجبة لمن نعرف في مكان عام لأنك صادفته هناك وليس من الذوق. نعم إنّ الذوق والمروءة ولعلها من أفعال البر، مطلوبة، لكن كم في ذلك من مراءاة للناس؟ لعمري إن النفقة للمحتاج أوجب أن نعدها ونخرجها مع سبق الإصرار والترصد ونتزاحم عليها.
نفقاتنا الصغيرة لا شك تبدأ بالنوايا الحسنة والحضور الدائم.
نفقاتنا الصغيرة تبدأ ببذل طعام البيت للمحتاج قبل أن يتلف ويذهب للقمامة، بل يبدأ بحسن تناوله حتى إذا ما زاد عن حاجتنا لا تكون قد أتلفته الأيادي في القصعة بسبب سوء التناول. كم يا ترى يكون تالف الطعام؟ وهل يمكن أن نحسن طريقة تناول طعامنا من أجل المحتاجين؟
نفقاتنا الصغيرة تبدأ ببذل كل كساء وحذاء حال عليه الشهر والشهران والثلاث ولم نحتج أن نلبسه.
نفقاتنا الصغيرة تبدأ بالكتاب المدرسي الذي لم نحسن حفظه وإعادة إرجاعه لكي يستفيد منه غيرنا ممن هو أحوج إليه.
نفقاتنا الصغيرة لكل سائق عربة يفخر بعربته أن يحمل معه قطعة فاكهة، أو تمر، أو ساندويتش أو قارورة ماء تحسباً أن نجد من يحتاجها.
نفقاتنا الصغيرة تبدأ بحمل قطع النقود نية وقصداً التي تكفي لدفع قيمة المواصلات أو دفع قيمة وجبة.
نفقاتنا الصغيرة هي المرحمة وتعلم الابتسام في وجوههم، وفي ذلك صدقة، لا تكلف إلا الابتسام.
نفقاتنا الصغيرة أن نمسح على الرؤوس حباً ووداً.
نفقاتنا الصغيرة أن نستديم الفكر والنوايا والقصد للعطاء وإن صغر.
قد تكون حاجة المحتاج وجبة واحدة، وقد تكون جرعة ماء واحدة، وقد يكون حذاءً لمرة واحدة، وقد يكون دواءً لمرة واحدة وقد يكون قميص لمرة واحدة، فإن كان ذلك كذلك، فالنفقات الصغيرة تفك جوعة الجائع وكربة المكروب، وتزيل حمى المحموم وتذهب هم المهموم. ولها من المردود والبركة في الدنيا والآخرة دواء (لا شك) جسماني ونفسي، وعدم نقصان.
فيا صديقي كن دوماً على أهبة أن تدفع يومياً نفقة صغيرة. تحسس ما حولك، لعمري ستجد شيئاً تنفقه، تحسس حولك ستجد أحداً يحتاج لنفقتك. سيربيها لك الله، بل سيفاجئك بها. وستقول حينها: الحمد الله الذي اذهب عنا الحزن، وأحلنا دار المقامة إن ربنا لغفور شكور.

المقالة السابقة

قانون الاستحواذ الأمريكي العدائي يقترب من دول الخليج كلها بغرض الاستحواذ عليها بعد القضاء على إيران..( 1 من 3 ) .. د. بابكر عبدالله محمد علي

المقالة التالية

سلسلة صفقات ترامب – المقالة 29 .. بين الصواريخ والصفقات: هل تتحول مواجهة إيران إلى ورقة ترامب الكبرى لإعادة تشكيل النظام الدولي ؟ ..د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *