Popular Now

وجه الحقيقة | دولة المؤسسات أم دولة الرغبات ؟ .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (3) من (10) .. العقوبات الأمريكية على الإخوان المسلمين في السودان معرفة الإسلاميين بالغرب وحدود الرهان عليه .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

مسارات .. السودان يحترق… فهل تكسر هيئة علماء السودان صمتها وتقود معركة التجديد؟ .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (3) من (10) .. العقوبات الأمريكية على الإخوان المسلمين في السودان معرفة الإسلاميين بالغرب وحدود الرهان عليه .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي

مقدمة
يُثير الجدل حول العقوبات الأمريكية على الحركة الإسلامية في السودان تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة فهم قادة الحركة الإسلامية للغرب، وحدود العلاقة التي نشأت بينهم وبين النخب الغربية عبر عقود من التفاعل الأكاديمي والسياسي.
فعدد كبير من قادة الحركة الإسلامية السودانية، وعلى رأسهم المفكر الإسلامي حسن عبد الله الترابي، ينتمون إلى جيل عاصر الاستعمار الأوروبي في إفريقيا والعالم الإسلامي، كما تلقى كثير منهم تعليمه العالي في جامعات غربية مرموقة، الأمر الذي منحهم معرفة مباشرة بالعقل السياسي الغربي وآليات تفكيره الاستراتيجي.
ومن هنا تبرز المفارقة: كيف انتقلت العلاقة من معرفة عميقة بالغرب إلى صراع سياسي انتهى بفرض عقوبات قاسية على السودان؟
أولًا: النشأة الفكرية والتعليم الغربي لقيادات الحركة الإسلامية
تميزت قيادات الحركة الإسلامية السودانية بكونها من أكثر النخب السياسية في السودان احتكاكًا بالمؤسسات الأكاديمية الغربية.
فقد تلقى عدد منهم تعليمهم في جامعات عالمية مثل
جامعة السوربون في فرنسا،
وجامعات أمريكية مثل
جامعة هارفارد
وجامعة ييل
وجامعة كاليفورنيا،
إضافة إلى جامعات بريطانية عريقة مثل
جامعة أكسفورد
وجامعة كامبريدج.
وقد أسهم هذا الاحتكاك الأكاديمي في تكوين شبكة علاقات فكرية واجتماعية مع النخب الغربية، كما أتاح لقادة الحركة الإسلامية الاطلاع المباشر على الفكر السياسي الغربي ومناهجه.
ثانيًا: الاستفادة من الحريات الغربية في بناء الخطاب الإسلامي
استفاد الإسلاميون السودانيون من هامش الحريات الفكرية في الجامعات الغربية لتطوير خطابهم الفكري والسياسي.
فقد أتاحت هذه البيئة الأكاديمية مساحة للنقاش المفتوح حول قضايا الهوية والدين والسياسة، الأمر الذي ساعد بعض المفكرين الإسلاميين على تقديم رؤى فكرية حاولت التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.
وقد اعتبر بعض الباحثين أن الحركة الإسلامية السودانية كانت من بين الحركات الإسلامية التي سعت إلى تقديم نموذج فكري وسياسي مختلف في العالم الإسلامي.
ثالثًا: إدراك مبكر لطبيعة الصراع مع الغرب
رغم هذا الاحتكاك الفكري، كان عدد من قادة الحركة الإسلامية يدركون مبكرًا حدود العلاقة مع الغرب.
فقد برز داخل الحركة الإسلامية تيار يرى أن الغرب، خصوصًا بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار
الاتحاد السوفيتي،
سيتجه إلى إعادة صياغة سياساته تجاه العالم الإسلامي.
وقد عبّر بعض القيادات والكوادر الفكرية داخل الحركة الإسلامية عن قناعة بأن الولايات المتحدة ستصبح القوة المهيمنة عالميًا، وأن سياساتها قد تتجه نحو مواجهة الحركات الإسلامية في المنطقة.
رابعًا: العقوبات الأمريكية واستهداف مؤسسات الدولة
مع تصاعد الخلافات السياسية بين الخرطوم وواشنطن في تسعينيات القرن الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية شاملة على السودان.
وشملت هذه العقوبات قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني، بما في ذلك مؤسسات الدولة الحيوية مثل الموانئ والنقل والزراعة والطيران.
وقد تأثرت مؤسسات وطنية كبرى بهذه العقوبات، من بينها
الخطوط الجوية السودانية،
كما تأثرت مشروعات زراعية استراتيجية مثل
مشروع الجزيرة.
ويرى بعض المحللين أن هذه العقوبات كانت تستهدف إضعاف الدولة السودانية اقتصاديًا ومؤسسيًا أكثر من استهدافها للحركة الإسلامية كتنظيم سياسي.
خامسًا: مفارقة التصنيف الإرهابي
رغم الاتهامات الأمريكية للحكومة السودانية بدعم الإرهاب في التسعينيات، ورغم إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب لفترة طويلة، فإن الحركة الإسلامية السودانية نفسها لم تُصنف رسميًا كمنظمة إرهابية خلال تلك الفترة.
حتى بعد أحداث مثل تفجير السفارتين الأمريكيتين في
نيروبي
ودار السلام عام 1998،
وكذلك الهجوم على المدمرة الأمريكية
USS Cole
قبالة سواحل
اليمن عام 2000،
ظل التصنيف موجّهًا للدولة السودانية وليس للحركة الإسلامية كتنظيم سياسي.
وهذه المفارقة تطرح تساؤلات حول التحولات التي أدت لاحقًا إلى طرح فكرة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ضمن التنظيمات الإرهابية.
سادسًا: الانقسام داخل الحركة الإسلامية
شهدت الحركة الإسلامية السودانية في أواخر تسعينيات القرن الماضي انقسامًا سياسيًا كبيرًا أدى إلى ظهور تيارين رئيسيين.
فقد تأسس
المؤتمر الوطني
كحزب حاكم بقيادة الرئيس
عمر حسن أحمد البشير،
في حين تشكل
المؤتمر الشعبي
بقيادة
حسن عبد الله الترابي.
وقد كان هذا الانقسام أحد أهم التحولات السياسية داخل الحركة الإسلامية السودانية، إذ أعاد تشكيل المشهد السياسي وأثر على توازنات السلطة داخل الدولة.
سابعًا: الحرب في جنوب السودان والتحالفات الفكرية المتباينة
خلال سنوات الحرب الأهلية في جنوب السودان شاركت القوات المسلحة السودانية في مواجهات طويلة مع
الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وقد ضمت الحركة الشعبية طيفًا واسعًا من القيادات الفكرية والسياسية ذات الخلفيات اليسارية والليبرالية، ومن بينهم شخصيات بارزة مثل
منصور خالد
وفرانسيس دينق.
وقد عكس هذا التنوع الأيديولوجي طبيعة الصراع السياسي والفكري الذي رافق الحرب السودانية لسنوات طويلة.
خاتمة
تكشف تجربة الحركة الإسلامية السودانية عن علاقة معقدة مع الغرب، جمعت بين المعرفة العميقة بالنظام الفكري والسياسي الغربي وبين الصراع السياسي معه في مراحل لاحقة.
فبينما استفاد قادة الحركة الإسلامية من التعليم الغربي والعلاقات الأكاديمية مع النخب الدولية، فإن التحولات الجيوسياسية بعد نهاية الحرب الباردة أدت إلى تغير طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وفي ظل التطورات الراهنة والحرب الدائرة في السودان، تعود هذه الأسئلة التاريخية إلى الواجهة مجددًا، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل العلاقة بين القوى السياسية السودانية والنظام الدولي.

المقالة السابقة

مسارات .. السودان يحترق… فهل تكسر هيئة علماء السودان صمتها وتقود معركة التجديد؟ .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

وجه الحقيقة | دولة المؤسسات أم دولة الرغبات ؟ .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *