Popular Now

نداء للبرهان رئيس مجلس السيادة وكامل إدريس رئيس مجلس الوزراء وبرفسور احمد مضوي وزير التعليم العالي ودكتور جبريل ابراهيم وزير المالية .. “ادركوا موسسات التعليم العالي والجامعات قبل فوات الاوان” (1 من 3) .. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي

تقرير إستراتيجي تحليلي .. سلسلة صفقات ترامب والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران .. الحلقة (1/1): صفقة سلام أم مخرج تكتيكي سريع؟ .. إعداد/ الزمزمي بشير عبد المحمود.. باحث مختص في الشأن الأفريقي

منشورات د. أحمد المفتي .. جرعة توعية قانونية : تصنيف امريكا لبعض الكيانات ، بانها راعية للارهاب ، ليس له شرعية دولية !!!

قضية المياه .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير، مستشار في السياسات العامة، الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

مقدمة
هذا الملخص ناتج عن مراجعة لأدبيات مؤتمرات المياه، في أعقاب حضوري أحدَ مؤتمرات المياه العالمية، وما تبع ذلك من متابعة الوثائق والتقارير الصادرة عن المنتديات والمؤتمرات الدولية ذات الصلة. والهدف تقديم عرض موجز ومتماسك لقضية المورد المائي، كما تبلورت في النقاشات الدولية خلال العقود الأخيرة. وقد أصبحت قضية المياه من أبرز القضايا العالمية التي تشغل الحكومات والمنظمات الدولية ومراكز البحث، لما لها من أثر مباشر على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والبيئي.
يعود الاهتمام المتزايد بالمياه إلى الضغوط المتنامية على الموارد المائية نتيجة الزيادة السكانية، والتوسع الحضري، والتغيرات البيئية والمناخية، والذي أدى إلى تزايد الطلب على الغذاء والطاقة. وقد أدرك المجتمع الدولي أن المياه ليست مجرد مورد طبيعي عادي، بل هي أساس الحياة والتنمية، وأن سوء إدارتها قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية واجتماعية وربما نزاعات سياسية. ومن هنا تكاثرت وتتابعت المؤتمرات والمنتديات الدولية التي سعت إلى بلورة رؤية مشتركة لإدارة الموارد المائية على نحو مستدام.
أسباب تصاعد قضية المياه
تعود أهمية قضية المياه إلى عدد من العوامل الأساسية. أول هذه العوامل أن الماء مورد لا بديل له للحياة البشرية وللإنتاج الزراعي والصناعي. وثانيها أن الموارد المائية العذبة محدودة بطبيعتها، ولا يمكن زيادتها إلا في حدود ضيقة من خلال تقنيات التحلية أو إعادة الاستخدام، وهي عمليات مكلفة اقتصادياً وتتطلب قدرات تقنية كبيرة.
أما العامل الثالث فهو الزيادة السكانية المتسارعة؛ فقد ارتفع عدد سكان العالم من نحو 2.5 مليار نسمة عام 1950م إلى ما يقارب ثمانية مليارات نسمة في العقود الأخيرة، ومن المتوقع أن يتجاوز تسعة مليارات بحلول عام 2050م. ويؤدي هذا النمو السكاني إلى زيادة الطلب على المياه في مختلف القطاعات، خاصة الزراعة التي تستهلك النسبة الأكبر من المياه العذبة في العالم.
كما أن التوسع الحضري أسهم بدوره في زيادة الطلب على المياه. فقد ارتفعت نسبة سكان المدن من نحو ثلث سكان العالم في منتصف القرن العشرين إلى أكثر من نصف السكان حالياً، ومن المتوقع أن تتجاوز نسبتهم 65% خلال العقود المقبلة. ويستهلك سكان المدن عادة كميات أكبر من المياه مقارنة بالمناطق الريفية، بسبب احتياجات الصناعة والخدمات والبنية التحتية.
التحديات المائية العالمية
على الرغم من أن المياه تغطي نحو 70% من سطح الأرض، فإن حوالي 97% منها مياه مالحة في البحار والمحيطات. أما المياه العذبة فلا تتجاوز 3% من مجموع المياه على الكوكب، ومعظمها مخزون في الجليد أو في أعماق الأرض. لذلك فإن الجزء المتاح مباشرة للاستخدام البشري يمثل نسبة ضئيلة جداً من إجمالي المياه في العالم.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن مئات الملايين من البشر يعانون بالفعل من ندرة المياه، وقد يرتفع العدد إلى عدة مليارات بحلول منتصف هذا القرن إذا استمرت أنماط الاستهلاك الحالية. كما يمثل تلوث المياه تحدياً كبيراً لصحة الإنسان، إذ ترتبط ملايين الوفيات سنوياً بالأمراض المنقولة عبر المياه غير النقية.
ومن مظاهر الأزمة أيضاً أن عدداً من الأنهار الكبرى صارت لا تصل إلى البحر نتيجة الإفراط في استخدام المياه في الزراعة والصناعة. كما أن كثيراً من الأنهار والبحيرات هي موارد مائية مشتركة بين أكثر من دولة، الأمر الذي يجعل إدارتها قضية سياسية واستراتيجية معقدة تتطلب التعاون دولياً.

التحولات في النظرة إلى المياه
شهدت العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في المفاهيم المرتبطة بإدارة الموارد الطبيعية، وعلى راسها الموارد المائية. فقد أدت العولمة إلى اتساع حركة التجارة العالمية وتبادل السلع والخدمات، كما ظهرت مقاربات اقتصادية جديدة تؤكد أن ندرة المورد الطبيعي تسهم في تحديد قيمته الاقتصادية.
وفي هذا السياق بدأت النظرة إلى المياه بوصفها مورداً اقتصادياً ينبغي إدارته بكفاءة. كما ظهر مفهوم “المياه الافتراضية”، الذي يعني كمية المياه المستخدمة في إنتاج السلع المختلفة، مثل الحبوب أو اللحوم أو المنتجات الصناعية. وبذلك أصبحت قيمة كثير من السلع مرتبطة أيضاً بكمية المياه التي استُخدمت في إنتاجها. مثل كم عدد لترات الماء التي تنتج كيلوجرام من اللحم؟ أو القمح؟
في الوقت نفسه، لم تعد السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية مطلقة كما في الماضي، إذ ظهرت قواعد واتفاقيات دولية تنظم استخدام الموارد المائية المشتركة، بما في ذلك الأنهار العابرة للحدود. كما قد ظهرت في بعض الدول آليات اقتصادية جديدة مثل أسواق المياه أو بنوك المياه، التي تسمح بتبادل حقوق استخدام المياه أو إعادة توزيعها وفقاً للحاجة.
المؤتمرات العالمية حول المياه
منذ سبعينيات القرن الماضي عُقدت العديد من المؤتمرات الدولية التي تناولت قضية المياه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن أبرز هذه المؤتمرات كان: مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في مار دل بلاتا بالأرجنتين، في عام 1977م، والمؤتمر العالمي لمياه الشرب والإصحاح في نيودلهي عام 1990م، وقمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992م، ومؤتمر دبلن حول المياه والبيئة في العام نفسه.
كما شهدت السنوات اللاحقة انعقاد عدد من المنتديات العالمية للمياه، مثل المنتدى العالمي الثاني في لاهاي عام 2000، ومؤتمر المياه العذبة في بون عام 2001، والمنتدى العالمي الثالث للمياه في كيوتو عام 2003، ثم المنتديات اللاحقة في المكسيك (2006)، وإسطنبول (2009)، ومرسيليا (2012)، وكوريا الجنوبية (2015)، والبرازيل (2018)، والسنغال (2022).
وقد أسهمت هذه المؤتمرات في بلورة رؤية عالمية لإدارة المياه تقوم على مبادئ الاستدامة والتكامل والمشاركة المجتمعية، مع التركيز على تعزيز التعاون الدولي في إدارة الموارد المائية المشتركة بشكل فعّال.
المبادئ الأساسية التي أقرتها مؤتمرات المياه
أكدت المؤتمرات الدولية عدداً من المبادئ التي أصبحت مرجعاً في سياسات إدارة المياه. فقد رسخ مؤتمر دبلن عام 1992م أربعة مبادئ أساسية، أبرزها أن المياه العذبة مورد محدود وأساسي للحياة والتنمية، وأن إدارتها يجب أن تتم بطريقة تشاركية تشمل المستخدمين وصناع القرار والمجتمع، مع الاعتراف بالدور المحوري للمرأة في إدارة الموارد المائية، وكذلك الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للمياه.
أما قمة الأرض في ريو دي جانيرو، فقد ركزت على الربط بين البيئة والتنمية، وأكدت ضرورة تحقيق التنمية المستدامة من خلال حماية النظم البيئية وتعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية وبناء نظم حكم رشيدة تقوم على المشاركة والشفافية.
وقد قدم مؤتمر لاهاي عام 2000 رؤية استراتيجية لإدارة المياه تضمنت تشجيع ترشيد الاستهلاك، واعتماد سياسات تسعير تعكس التكلفة الحقيقية للخدمات المائية، وفرض قيود أو غرامات على الاستخدام المفرط أو الملوث للمياه.
أما مؤتمر بون للمياه العذبة في عام 2001م، فقد ركز على الجوانب المؤسسية والتمويلية لإدارة المياه، مؤكداً ضرورة بناء مؤسسات وطنية قوية لإدارة الموارد المائية، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص، وسد فجوة التمويل في مشروعات المياه، إضافة إلى دعم الدول النامية في تطوير قدراتها المؤسسية والتقنية.
منتدى كيوتو العالمي للمياه 2003
يُعد المنتدى العالمي الثالث للمياه في كيوتو من أكبر المؤتمرات الدولية في هذا المجال، حيث شارك فيه عشرات الآلاف من المشاركين من أكثر من 180 دولة، من بينهم مسؤولون حكوميون وخبراء ومنظمات دولية وممثلون للمجتمع المدني.
ركز المؤتمر على عدد من القضايا الأساسية، من بينها توفير مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي، وتعزيز الأمن الغذائي عبر تحسين إدارة المياه الزراعية، وحماية الموارد المائية من التلوث، والحد من مخاطر الكوارث المرتبطة بالمياه مثل الفيضانات والجفاف.
كما أكد المؤتمر أهمية بناء القدرات البشرية في مجال إدارة المياه، داعياً إلى تطوير التعليم والتدريب وتبادل المعرفة والتكنولوجيا بين الدول. وقد أبرز كذلك التحديات التمويلية الكبيرة التي تواجه قطاع المياه، بما في ذلك ارتفاع تكاليف البنية التحتية وضعف العائد المالي المباشر لمشروعات المياه.
وفي ختام المؤتمر، صدر إعلان كيوتو الذي أكد أن أزمة المياه في جوهرها ليست أزمة موارد فحسب، بل هي أيضاً أزمة إدارة وسلوك بشري. ودعا إعلان كيوتو إلى تعزيز التعاون الدولي لمعالجة قضايا المياه، مع التركيز على الحلول المحلية التي تراعي الخصائص البيئية والثقافية لكل منطقة.
خاتمة
منذ بداية الألفية الجديدة، وبخاصة بعد انعقاد المنتدى العالمي الثالث للمياه في كيوتو، تصاعد الاهتمام الدولي بقضية المياه، وظهرت سلسلة من المؤتمرات والمنتديات التي جعلت من الأمن المائي أحد المحاور الأساسية في السياسات الدولية. وقد ركزت هذه المؤتمرات على تعزيز الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحقيق الوصول العادل إلى المياه وخدمات الصرف الصحي، وزيادة التمويل الدولي لمشروعات المياه، وتعزيز التعاون حول الأنهار المشتركة، إضافة إلى الربط بين المياه والتغير المناخي.
وخلاصة القول إن المؤتمرات الدولية أسهمت في نقل قضية المياه من نطاقها الفني الضيق إلى إطار أوسع يرتبط بالأمن الإنساني والتنمية المستدامة. وبذلك أصبحت إدارة الموارد المائية مسؤولية مشتركة تتطلب تعاوناً دولياً طويل الأمد، وتخطيطاً علمياً يوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد للأجيال القادم بشكل مستدام الصادق عبدالله أبوعيّاشة
7 مارس 2026

المقالة السابقة

التقرير الإستراتيجي رقم (15) .. سلسلة صفقات ترامب .. تصاعد الحرب مع إيران وإعادة تشكيل النظام الدولي والإقليمي .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

إعادة تشكيل الاقتصاد السوداني فى ظل الأزمة العالمية الحالية .. يقلم/ زهيرعبدالله مساعد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *